“العازف اللي ما اتسمعش”
في زمن كان الليل فيه أهدى، وكانت الشوارع في القاهرة تنام بدري إلا من صوت خطوات قليلة… كان في شارع قديم قريب من وسط البلد، تحديدًا ناحية وسط البلد، فيه شباك بيت قديم دايمًا نصه مفتوح.
تحت الشباك ده… كان بيقف شاب كل ليلة.
شاب مش مشهور، مش غني، ومحدش يعرف عنه حاجة تقريبًا… غير حاجة واحدة بس:
كان بيعزف كمان.
بداية الحلم
كان لما الليل يهدى، يطلع كمانه القديم، ويحطه على كتفه، ويبدأ يعزف.
الموسيقى كانت غريبة…
مش مجرد لحن… كانت إحساس.
ناس قليلة جدًا كانت بتعدي وتسمعه، لكن أغلبهم كان بيكمل طريقه عادي… كأنهم مش سامعين حاجة.
إلا بنت واحدة…
كانت ساكنة في البيت اللي فوقه.
بنت بسيطة، بتحب الأفلام القديمة، وبتحلم تعيش قصة زي اللي بتشوفها في أفلام فاتن حمامة.
كانت كل ليلة تقف ورا الشباك، وتسمع العزف… وتغمض عينيها وتتخيل نفسها في فيلم أبيض وأسود:
هي البطلة… وهو العازف اللي مستنيها.
رسالة غريبة
في ليلة من الليالي، بعد ما العزف وقف فجأة بشكل غير معتاد، لقت البنت حاجة غريبة تحت باب الشقة.
ورقة صغيرة.
مكتوب فيها:
“لو كنتِ بتسمعي… يبقى أنا مش بعزف لوحدي.”
قفلت الباب بسرعة، وقلبها بيدق.
مين اللي كتب؟
هو شافها؟
ولا صدفة؟
من اليوم ده، كل ليلة كان العزف بيبقى أعمق… كأنه بيحكي لها كلام مش بيتقال.
الليلة اللي اختفى فيها الصوت
في ليلة شتا، المطر كان شديد على القاهرة، والشارع فاضي تقريبًا.
البنت وقفت في الشباك مستنية الصوت المعتاد…
لكن… مفيش حاجة.
لا كمان… لا موسيقى… لا أي صوت.
نزلت بسرعة تسأل، لكن الشارع كان فاضي.
مكانه تحت الشباك كان فيه بس:
الكمان… متساب على الأرض.
البحث اللي ما خلصش
اليوم اللي بعده سألت الجيران، سألت في كل مكان…
“فين الشاب اللي بيعزف هنا؟”
الكل رد بنفس الجملة:
“مفيش حد كان بيعزف أصلًا…”
لكنها كانت متأكدة إنها مش بتحلم.
كل ليلة كانت تسمع نفس اللحن في ودنها حتى وهو غايب.
بعد سنين…
مرت السنين، كبرت البنت، وبدأت حياتها تاخدها بعيد عن الشارع القديم.
وفي يوم، وهي بتتفرج على فيلم قديم لِـ عمر الشريف، سمعت موسيقى في الخلفية…
نفس اللحن بالظبط.
جسمها اتجمد.
سألت نفسها:
“هو ده…؟ ولا أنا بتخيل؟”
دورت على اسم المؤلف الموسيقي… لكن مفيش أي معلومات واضحة.
النهاية اللي محدش عارفها
رجعت بعد سنين للشارع القديم.
البيت نفسه موجود… الشباك نفسه… لكن مفيش أثر لأي عازف.
سألت أهل المنطقة الكبار في السن… واحد منهم قال لها بهدوء:
سكتت.“في شاب كان بييجي يعزف زمان… بس كان بيقول إنه بيعزف لشخص واحد بس… ولما الشخص ده اختفى… هو كمان اختفى.”
وبصت للشباك.
ولأول مرة… حسّت إنها مش متأكدة:
هل هي كانت بتسمع عازف حقيقي؟
ولا كانت هي “الشخص الوحيد” اللي الموسيقى كانت موجهاله؟
إن لحد النهارده، أي حد يمر من نفس الشارع وقت الهدوء الشديد…
بيحلف إنه سمع لحن كمان خفيف… بييجي من ولا مكان