• سجل عضوية للتمتع بالمنتدى واكتساب مميزات حصريه منها عدم ظهور الإعلانات

متسلسلة رواية الديجور إمبراطور الظل _ حتى الجزء الخامس 23/1/2026 (1 عدد المشاهدين)

ابو دومة

ميلفاوي أبلودر
عضو
ناشر قصص
إنضم
11 يوليو 2024
المشاركات
634
مستوى التفاعل
507
نقاط
1,269
النوع
ذكر
الميول
طبيعي

الجزء الأول: الوجهان للعملة

(المشهد 1)المكان: قاعة احتفالات فندق "فور سيزونز" - القاهرة.الزمان: ليلاً - العاشرة مساءً.

الوصف:أضواء الكريستال المتدلية من السقف تعكس بريق المجوهرات التي ترتديها سيدات المجتمع الراقي. موسيقى جاز خافتة تعزف في الخلفية، ورائحة العطور الباهظة تملأ الأجواء. في الزاوية، يقف "نوح الألفي" (32 عاماً)، ببدلة "تكسيدو" سوداء مفصلة خصيصاً في إيطاليا، وكأنها درع وليست مجرد قماش. ملامحه حادة، عيناه بلون العسل المحروق تخفي خلفها بحراً من الأسرار. يمسك كأساً من العصير ببرود، بينما يتحدث إليه رجل أعمال بدين يبدو عليه التوتر.

الحوار:رجل الأعمال (عزت): (وهو يمسح العرق عن جبينه بمنديل حريري)"يا نوح بيه، العرض اللي قدمتهولك ده محدش يرفضه.. دي صفقة العمر، إحنا بنتكلم في توريد أنظمة أمان للساحل الشمالي كله، وأنت عارف المنافسين.."

نوح: (يبتسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه، ويرشف رشفة هادئة)"المنافسين؟ تقصد شركة 'البرج'؟.. دول لسه بيتعلموا يعني إيه كاميرا مراقبة يا عزت.. أنت جاي تبيع الماية في حارة السقايين؟"

عزت:"لا العفو يا باشا، بس أنا قصدي إن السوق نايم، والسيولة.."

نوح: (يقاطعه بنبرة هادئة ولكنها حاسمة كحد السيف)"السوق ينام لما أنا أقوله نام.. ويصحى لما أطق بصباعي.. (يقترب خطوة من عزت، فيتراجع الآخر تلقائياً) اسمع يا عزت.. شركتي مش مجرد شركة حراسات.. أنا ببيع 'راحة البال'.. والسلعة دي غالية.. غالية أوي.. عرضك مرفوض، ولو فكرت تقرب من منطقة نفوذي في الساحل، هتلاقي نفسك بتحرس رملة في الصحرا الغربية."

الوصف:يترك نوح الرجل متجمداً في مكانه، ويسير وسط القاعة بخطوات واثقة. النظرات تلاحقه؛ نظرات إعجاب من النساء، ونظرات حسد وخوف من الرجال. هو يعلم أنه الملك غير المتوج لهذا العالم.


(المشهد 2)المكان: التراس الخارجي للفندق (مطل على النيل).الزمان: مستمر.

الوصف:يخرج نوح من صخب القاعة إلى هدوء التراس. الهواء البارد يلفح وجهه. يقف عند السور الحجري ينظر للنيل المظلم. يخرج هاتفه الأسود المشفر، تصله رسالة قصيرة: "الهدف تحرك. الكود: أحمر."تتغير ملامح وجهه فوراً. يختفي قناع رجل الأعمال الساحر، ويحل محله جمود "الديجور".

فجأة، يشعر بحركة خلفه. رائحة عطر نسائي قوي ومثير (عنبر وفانيليا) تسبق صاحبتها. إنها "ليلى السيوفي" (28 عاماً)، ابنة عمه ومنافسة شرسة، فاتنة الجمال بشعر أسود كليل القاهرة وفستان أحمر ناري يكشف عن ساقها بجرأة، وعينين تلمعان بمكر.

الحوار:ليلى: (بصوت مبحوح، تقف بجانبه وتنظر للنيل)"زهقت من النفاق اللي جوه ولا إيه؟.. غريبة على 'نوح الألفي' اللي بيعشق الأضواء."

نوح: (دون أن ينظر إليها)"الأضواء بتعمي العيون يا ليلى.. وأنا بحب أشوف كل حاجة بوضوح.. إيه اللي جابك؟ مش كان عندك عرض أزياء في باريس؟"

ليلى: (تضحك بخفة، وتقترب منه حتى يلامس كتفها كتفه)"كنت.. بس سمعت إن ابن عمي بيكبر، وبياكل السوق كله.. قلت أجي أبارك.. (تمرر أصبعها برقة وجرأة على ياقة سترته) وكمان.. وحشتني."

نوح: (يمسك يدها ببطء ولكن بقوة، ويبعدها عنه وهو ينظر في عينيها مباشرة)"وفري حركاتك دي لواحد يشتريها يا ليلى.. إحنا دافنينه سوا.. عايزة إيه؟"

ليلى: (تتغير نبرتها للجدية، وتقترب أكثر بحيث تصبح أنفاسها قريبة من وجهه)"عايزة حصتي في شحنة الألماظ اللي دخلت المينا امبارح.. متعملش عبيط، أنا عارفة إن شركتك هي اللي مأمنة النقل.. ولينا نصيب قديم."

نوح: (يقترب منها ببطء، محاصراً إياها بنظراته، يهمس أمام شفتيها)"النصيب القديم مات مع أبوكي.. والشحنة دي.. (يبتسم بخبث) لو عرفتي توصليلها، حلال عليكي.. بس خلي بالك، اللعب مع الكبار بيعور.. والتعويرة في وشك الجميل ده هتبقى خسارة."

الوصف:يسري تيار كهربائي من التوتر بينهما. مزيج من العداء القديم ورغبة مكتومة ومحرمة. ليلى تنظر لشفتيه للحظة وكأنها تود التهامها، ثم تبتعد خطوة للخلف، تستعيد توازنها.

ليلى: (تبتسم بتحدي)"هنشوف يا نوح.. هنشوف مين اللي هيتعور في الآخر."

الوصف:تتركه وتغادر، كعب حذائها يطرق الأرض بإيقاع مستفز. نوح يتابعها بنظرة باردة، ثم ينظر لساعته. حان وقت العمل الحقيقي.


(المشهد 3)المكان: سيارة ليموزين مصفحة - تسير في شوارع القاهرة.الزمان: 11:00 مساءً.

الوصف:داخل السيارة، الجو هادئ تماماً. الزجاج عازل للصوت والرصاص. نوح يفك رابطة عنقه ويرميها جانباً. يضغط زرًا سرياً في مسند اليد، فينفتح درج سري يخرج منه مسدساً أسود من طراز "جلوك" معدلاً، وقطعة ملابس سوداء (قناع رقيق).السائق، "مروان" (رجل ضخم، صامت، ومخلص حد الموت)، ينظر في المرآة.

الحوار:مروان:"على المقر القديم يا باشا؟"

نوح: (وهو يفحص مخزن المسدس بحرفية عالية)"لأ.. اطلع على المدابغ.. 'الضبع' فاكر إنه يقدر يبيع معلومات عن تحركات الرئيس لجهات أجنبية من غير ما أدفعُه التمن.. الليلة لازم يعرف مين اللي بيحكم البلد دي من تحت الأرض."

مروان:"أوامرك.. بس المنطقة هناك متلغمة رجالة تبعُه."

نوح: (يرتدي قفازات جلدية سوداء ببطء)"عارف.. وعشان كده أنا رايح لوحدي.. (ينظر لانعكاس وجهه في الزجاج، عيناه تلمعان بظلام دامس) الظل مبيخافش من الزحمة يا مروان.. الظل بيبلع أي حاجة."


(المشهد 4)المكان: منطقة المدابغ (سور مجرى العيون) - منطقة مهجورة وشبه مظلمة.الزمان: 11:45 مساءً.

الوصف:السيارة تتوقف بعيداً. ينزل نوح. لم يعد هو رجل الأعمال الأنيق. لقد خلع السترة، وارتدى معطفاً طويلاً أسود بياقة عالية. تحركاته أصبحت خفيفة، لا صوت لخطواته. يندمج مع الظلام بين المباني القديمة المتهالكة ورائحة الجلود الكريهة.يصل لمبنى قديم، يسمع أصوات ضحك خشنة من الداخل. يغمض عينيه للحظة، يركز حواسه. قدرته الخاصة تبدأ في العمل.الظلال تتحدث إليه. يرى من خلال الظل الممتد تحت الباب عدد الأشخاص في الداخل.. سبعة رجال مسلحين. يرى أحدهم يجلس على مكتب، "الضبع".

نوح (يحدث نفسه داخلياً):"سبعة.. تلاتة يمين، اتنين شمال، والضبع في الوش.. عشر ثواني كفاية."

الوصف:دون سابق إنذار، يذوب نوح في الظل بجانب الباب. وفجأة، ينطفئ النور الوحيد في الغرفة بالداخل (بقدرة خفية منه). تتعالى صرخات الفزع."إيه ده؟ النور قطع ليه؟""مين هناك؟!"

صوت إطلاق نار عشوائي. في وسط الظلام، نرى ومضات سريعة.. ليس ومضات رصاص، بل ومضات حركة. نوح يتحرك بينهم كشبح. ضربات دقيقة، صامتة، ومميتة. صوت عظام تكسر، وأجساد تسقط بوزن ثقيل.يعود النور للعمل (بشعلة ولاعة يقدحها نوح).المشهد مرعب. الستة رجال ملقون على الأرض فاقدي الوعي (أو أسوأ)، و"الضبع" يرتجف في كرسيه، وفوهة مسدس نوح تلامس جبهته المتعرقة.

الحوار:نوح: (بصوت هادئ مخيف، وهو يشعل سيجارة بيده الأخرى)"مساء الخير يا ضبع.. سمعت إنك صوتك عالي اليومين دول.. وبتبيع بضاعة مش بتاعتك."

الضبع: (صوته يخرج مبحوحاً من الرعب)"الديجور!.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إنهم تبعك.. و**** يا باشا غلطة.. السماح."

نوح: (ينفث الدخان في وجه الضبع)"الغلطة في قاموسي بتمسح صاحبها.. بس أنا كريم النهاردة.. هسيبك عايش، بس بشرط."

الضبع:"أي حاجة.. أؤمرني.."

نوح:"اسم العميل اللي اشترى المعلومات.. ومكان التسليم.. دلوقتي."

الضبع:"اسمه 'الجنرال'.. تسليم في فيلا في التجمع.. بكرة بالليل."

نوح: (تلمع عيناه باهتمام.. 'الجنرال' اسم مألوف)"شاطر.. (يضربه بمقبض المسدس ضربة قوية تفقده الوعي) نام دلوقتي واحلم بكوابيس سعيدة."


(المشهد 5)المكان: شقة "بنتهاوس" خاصة بنوح - تطل على النيل من زاوية أخرى.الزمان: 02:00 صباحاً.

الوصف:يعود نوح لشقته السرية، ليست القصر العائلي، بل ملاذه الخاص. المكان غارق في الظلام إلا من إضاءة خافتة جداً. يخلع معطفه ويرميه بإهمال، جسده الرياضي المليء بالندوب يظهر تحت القميص المفتوح.يصب لنفسه كأساً، ويتجه لغرفة النوم.يفتح الباب، ليتفاجأ بوجود شخص في انتظاره. ليست ليلى هذه المرة.إنها "كامليا" (26 عاماً). طبيبة جراحة، ولكنها تعمل "طبيبة للعالم السفلي"، تعالج من لا يستطيعون الذهاب للمستشفيات. جميلة بملامح بريئة تخفي قسوة اكتسبتها من رؤية الدماء يومياً. ترتدي قميص نوم حريري أسود قصير جداً، وتجلس على طرف سريره، تدخن سيجارة رفيعة.

الحوار:نوح: (يتوقف عند الباب، لا يبدو متفاجئاً تماماً)"كامليا؟.. إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟ حد مصاب؟"

كامليا: (تطفئ السيجارة ببطء، وتقف وتتجه نحوه بخطوات واثقة)"مفيش مصابين الليلة يا ديجور.. بس أنا اللي محتاجة علاج.. (تقف أمامه مباشرة، تضع يدها على صدره العاري، تشعر بنبض قلبه الهادئ بشكل مستفز) سمعت إن كان عندك حفلة تكسير عضم في المدابغ.. قلت أجي أطمن عليك.. ولا الدكتور ملوش حق يكشف؟"

نوح: (يمسك يدها، يضغط عليها برفق، وينظر لجسدها بنظرة فاحصة جريئة)"الدكتور مكانه في العيادة يا دكتورة.. سريري مش مكان للكشف.. (يقربها منه بحركة خاطفة حتى تلتصق به) إلا لو كان الكشف نوع تاني."

كامليا: (تبتسم بإغراء، وتلف ذراعيها حول عنقه)"أنت عارف أنا عايزة إيه يا نوح.. بقالنا شهر بنلعب لعبة القط والفار دي.. أنا مش زي ليلى، مش عايزة فلوسك ولا نفوذك.. أنا عايزة النار اللي جواك دي.. (تهمس في أذنه) احرقني بيها."

الوصف:يستسلم نوح للحظة لغريزته، يدفن وجهه في عنقها يستنشق عبيرها، يده تنزلق على ظهرها العاري بقوة وتملك. يرفعها بين ذراعيه بسهولة وكأنها ريشة، وتتجه القبلات لتصبح أكثر عنفاً وشغفاً، لغة الجسد تحل محل الكلام، وصراع السيطرة يبدأ بين "الإمبراطور" و"طبيبته" في ليلة طويلة لا تعرف النوم.


(المشهد 6)المكان: غرفة نوم نوح (البنتهاوس).الزمان: 06:00 صباحاً (فجر اليوم التالي).

الوصف:ضوء الفجر الأزرق يتسلل بوهن من الستائر الثقيلة. الغرفة في حالة فوضى هادئة تعكس صخب الليلة الماضية. نوح مستيقظ، يجلس على حافة السرير عاري الصدر، عضلات ظهره مشدودة، ينظر إلى الفراغ بشرود. بجانبه، "كامليا" تغط في نوم عميق، شعرها منسدل على الوسادة، وتبدو بريئة وهادئة تماماً عكس طبيعتها النارية.نوح ينهض بهدوء شديد كي لا يوقظها. يتجه نحو الحمام، يغسل وجهه بماء بارد، وينظر للمرآة. للحظة.. فقط للحظة، يرى ظله في المرآة يتحرك بشكل مختلف عن حركته. يغمض عينيه ويهز رأسه.

نوح (يحدث نفسه):"قلة نوم.. ولا دي ضريبة الدم؟.. ركز يا نوح، 'الجنرال'.. الاسم ده مش غريب."

الوصف:يخرج من الغرفة، يرتدي ملابس رياضية سوداء. يترك ورقة نقدية كبيرة وملاحظة قصيرة لكامليا بجانب سريره: "قهوتك في المطبخ. اقفلي الباب وراكي." رسالة جافة وعملية، تماماً كطبيعته التي ترفض التعلق.


(المشهد 7)المكان: مقر شركة "الألفي جروب" - القرية الذكية.الزمان: 09:00 صباحاً.

الوصف:المقر عبارة عن قلعة زجاجية حديثة. التكنولوجيا في كل مكان. نوح يدخل بهيبته المعتادة كرئيس مجلس الإدارة. الموظفون يقفون احتراماً (وخوفاً) أثناء مروره.يدخل مكتبه الواسع في الطابق الأخير. "هند"، سكرتيرته (أربعينية، محترفة، وتعرف كيف تحفظ الأسرار)، تلحقه بالآيباد.

الحوار:هند:"صباح الخير يا فندم. الاجتماع مع الوفد الألماني الساعة عشرة. وفيه مكالمة مستعجلة من اللواء 'رفعت' من المخابرات.. اتصل مرتين."

نوح: (يجلس خلف مكتبه الضخم، ويفتح جهاز الكمبيوتر ببصمة العين)"أجلي الألمان ساعة.. وهاتيلي اللواء رفعت على الخط المشفر حالاً."

الوصف:بعد ثوانٍ، يرن الهاتف الأرضي الأحمر.

نوح:"صباح الخير سيادة اللواء.. خير؟ الدنيا مقلوبة من بدري."

اللواء رفعت (صوت خشن عبر الهاتف):"مش وقت مجاملات يا نوح. فيه حاجة حصلت امبارح بالليل في المدابغ.. ورجالتنا لقوا 'الضبع' مرمي ومخيخ. بصماتك مش موجودة طبعاً، بس ريحتك في المكان."

نوح: (يبتسم ببرود)"الضبع كان عنده عسر هضم.. حبيت أريحه. المهم، أنت متصل عشان تعاتبني على حتة بلطجي؟"

اللواء رفعت:"لا.. أنا متصل أحذرك. المعلومات اللي الضبع كان بيبيعها.. مش بس عن تحركات الرئيس. دي كانت عن 'المشروع الأسود'.. وأنت عارف مين اللي ماسك تأمين المشروع ده."

نوح: (تتغير ملامحه للجدية التامة)"أنا.. تقصد إن الخرق من عندي؟"

اللواء رفعت:"بالضبط. والاسم اللي بيتردد في التقارير هو 'الجنرال'.. لو المعلومات دي طلعت بره، رقبتي ورقبتك هيطيروا قبل ما الشمس تغيب. معاك 24 ساعة يا نوح.. صلح غلطتك."

الوصف:يغلق الخط. نوح يضرب بقبضته على المكتب بقوة جعلت الزجاج السميك يهتز. الخرق من الداخل.. هذا يعني خيانة.


(المشهد 8)المكان: غرفة السيرفرات الرئيسية (قبو الشركة).الزمان: 10:00 صباحاً.

الوصف:غرفة باردة جداً مليئة بالأضواء الزرقاء والخضراء. نوح يقف خلف "مازن" (شاب عبقري في الهاكينج، يرتدي نظارة طبية وسترة واسعة، وهو الذراع التقني لنوح).

الحوار:نوح:"قلبلي النظام يا مازن.. عايز أعرف مين دخل على ملفات 'المشروع الأسود' في آخر 48 ساعة. أي بصمة، أي لوج، حتى لو كان شبح."

مازن: (أصابعه تطير على الكيبورد بسرعة جنونية)"يا باشا النظام بتاعنا مقفول بسبع طبقات تشفير.. مستحيل حد يدخل من بره.. إلا لو.."

نوح:"إلا لو إيه؟ انطق!"

مازن: (يتوقف، يبلع ريقه بصعوبة، ويدير الشاشة لنوح)"إلا لو الدخول كان بـ 'كود ماستر'.. والكود ده مش مع حد غيرك أنت.. والست ليلى هانم."

الوصف:الصدمة تظهر على وجه نوح، لكنها سرعان ما تتحول لغضب بارد ومخيف. ليلى.. ابنة عمه وشريكته. هل وصلت جراءتها لبيع أسرار الدولة لكسره؟

نوح: (يهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى)"ليلى.."

مازن:"أعمل إيه يا ريس؟ أقفل حسابها؟"

نوح:"لا.. سيبها تلعب. راقبلي تليفونها، وعربيتها، وحتى دقات قلبها لو تقدر. عايز أعرف هي هتقابل مين الليلة."


(المشهد 9)المكان: فيلا فخمة في التجمع الخامس (مكان التسليم الذي ذكره الضبع).الزمان: 11:30 مساءً.

الوصف:الفيلا محاطة بحراسة مشددة. كلاب حراسة، وكاميرات حرارية.نوح (بزي "الديجور" الكامل هذه المرة: بدلة تكتيكية سوداء، قناع يغطي نصف وجهه، وأسلحة خفيفة) يراقب من فوق شجرة عالية تطل على الحديقة.تصل سيارة رياضية حمراء. تنزل منها "ليلى". تبدو متوترة، تحمل حقيبة فضية صغيرة.يستقبلها رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً عسكرياً قديماً، شعره رمادي، ووجهه مشوه بندبة طويلة. إنه "الجنرال".

الحوار (يسمعه نوح عبر أجهزة تنصت بعيدة المدى):

الجنرال:
(صوت أجش، بلكنة أجنبية ثقيلة)"تأخرتي يا قطة.. كنت فاكر إن الألفي منضبطين في مواعيدهم."

ليلى: (تحاول أن تبدو قوية، لكن صوتها يرتجف قليلاً)"الطريق كان زحمة.. الفلاشة أهي.. فين بقية المبلغ؟ واتفاقنا إن نوح ميحصلوش حاجة.. أنا عايزاه يقع مالياً بس، مش يموت."

الجنرال: (يضحك بصوت عالي ومستفز)"يا ليكي من ساذجة.. نوح الألفي مش من النوع اللي بيقع ويقوم تاني.. ده لازم ينتهي.. (يأخذ الحقيبة منها بعنف) شكراً على الهدية.. ودلوقتي، دورك انتهى."

الوصف:يشير الجنرال لحراسه. يحيطون بليلى مشهرين أسلحتهم. ليلى تدرك الفخ، الرعب يملأ عينيها."أنت.. أنت خنت الاتفاق!""الاتفاقات بتتعمل بين الكبار.. وأنتِ مجرد **** بتلعب بالنار."

في تلك اللحظة.. الظلام في الحديقة يبدأ في "التموج". لم يكن مجرد ليل عادي. المصابيح الخارجية تنفجر واحداً تلو الآخر.صوت نوح يأتي من كل مكان ولا مكان، مضخماً ومخيفاً:"واللعب مع الأطفال.. بيعور الكبار يا جنرال."

الجنرال:
(يصرخ في رجاله)"وضع قتالي! إنه هو!"

الوصف:ينزل نوح من الأعلى كالصاعقة السوداء. لا يستخدم الرصاص هذه المرة، بل سكاكين رمي (Kunai) معدلة. في ثوانٍ، ثلاثة حراس يسقطون وسكاكين مغروسة في أكتافهم بدقة جراحية لشل حركتهم فقط.يقفز نوح ويحط أمام ليلى مباشرة، ظهره لها، يحميها بجسده. ينظر للجنرال وعيناه تلمعان في الظلام.

نوح: (دون أن يلتفت لليلى)"حسابك معايا بعدين.. دلوقتي، خليكي ورا ضهري لو عايزة تعيشي."

ليلى: (مذهولة، تهمس)"نوح؟.."

الجنرال: (يخرج سيفاً غريباً من غمده، سيفاً يبدو قديماً جداً ومنقوشاً عليه رموز غريبة)"أخيراً.. الديجور.. كنت مستنيك. (يشير بالسيف) وريني.. هل أنت فعلاً تستحق 'الإرث'؟"

الوصف:الجنرال يندفع بسرعة لا تصدق نحو نوح. سرعة تتجاوز البشر العاديين. نوح يصد الضربة بخنجره التكتيكي، لكن قوة الضربة تدفعه للخلف أمتاراً. الشرارات تتطاير. نوح يدرك فوراً.. هذا الرجل ليس مجرد مرتزق.. هذا الرجل "يعرف" شيئاً عن القوى الخفية.

نوح (في نفسه):"قوته مش طبيعية.. والسيف ده.. أنا شفت الرموز دي فين؟.. (يتذكر الرمز الذي رآه في المدابغ).. ده نفس الرمز!"

المعركة:الجنرال يهاجم بوحشية. نوح يعتمد على خفته ومناوراته. يحاول استخدام "الظلال" لإعاقة رؤية الجنرال، لكن المفاجأة أن الجنرال يقطع الظل بسيفه وكأنه مادة صلبة!"سيفي ده داق ددمم جدودك يا وريث الظلال!" يصرخ الجنرال.

نوح يتلقى جرحاً سطحياً في ذراعه. الألم حاد وغير طبيعي (كأنه حرق). ليلى تصرخ.نوح يقرر استخدام ورقته الرابحة. يركز طاقته، وفجأة.. يختفي تماماً من أمام عين الجنرال، ويظهر خلفه بلمح البصر (Teleportation قصير المدى عبر الظل). يوجه ركلة قوية لظهر الجنرال تسقطه أرضاً، ويخطف الحقيبة (الفلاشة) من يده.

نوح:"انتهى الدرس."

يرمي قنبلة دخان كثيفة، ويمسك يد ليلى ويسحبها معه، يختفيان في ظلام الحديقة قبل أن يستعيد الجنرال توازنه.

صوت الجنرال (يأتي من خلف الدخان):"اهرب يا ديجور.. اهرب.. بس مش هتقدر تهرب من قدرك.. المجلس اجتمع.. والحكم صدر!"


(المشهد 10)المكان: سيارة نوح - منطلقة بسرعة جنونية على الطريق الدائري.الزمان: 12:30 بعد منتصف الليل.

الوصف:نوح يقود بيد واحدة، واليد الأخرى تضغط على جرح ذراعه الذي ينزف دماً أسود غريباً. ليلى بجانبه، ترتجف وتبكي بصمت، تنظر للجرح برعب.

الحوار:ليلى:"نوح.. دمك.. لونه.. لونه غريب."

نوح: (يتنفس بصعوبة، العرق يتصبب من جبينه)"اسكتي.. مش عايز أسمع صوتك."

ليلى:"أنا.. أنا آسفة.. هو قالي إنه هيدمرك مالياً بس.. مكنتش أعرف إنه.."

نوح: (يضغط فرامل فجأة، يوقف السيارة على جانب الطريق المظلم، يلتفت إليها بغضب، عيناه تحولت للحظة للون الأسود بالكامل)"غبية!.. أنتي كنتي بتبيعي رقبتي لواحد عايز يقتلني ويقتل سلالتنا كلها!.. (يمسك ذراعه بألم) السيف ده.. السيف ده ملعون."

ليلى: (تحاول لمس جرحه)"خلينا نروح المستشفى.."

نوح: (يبعد يدها)"مستشفى إيه!.. ده مش جرح عادي.. (ينظر لها بعمق، ولأول مرة يظهر ضعفاً في عينيه) لازم نروح لـ 'البيت الكبير'.. في الصعيد.. جدك.. هو الوحيد اللي هيفهم الرموز دي."

ليلى:"الصعيد؟ إحنا مرحناش هناك من واحنا *****!"

نوح:"عشان كده لازم نرجع.. الأصول بتنادينا يا بنت عمي.. اللعبة كبرت.. ومبقاش فيها رجوع."

يضغط على البنزين، السيارة تنطلق لتشق ظلام الطريق الصحراوي، متجهة نحو الجنوب.. نحو الجذور.. ونحو المجهول.


(المشهد 11)المكان: الطريق الصحراوي الغربي (طريق الصعيد) - داخل السيارة.الزمان: 03:00 صباحاً (ظلام دامس).

الوصف:السيارة تنهب الأسفلت. الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى صوت المحرك القوي وأنفاس نوح المضطربة. الألم في ذراعه يتصاعد، والسم (أو اللعنة) التي في السيف بدأت تسبب له هلوسات وحمى.ليلى تنظر إليه بقلق حقيقي، تحاول مسح العرق عن جبينه بمنديلها.نوح يغلق عينيه للحظة بسبب الدوار، وفجأة.. الماضي يهاجمه.

(فلاش باك - الذاكرة)المكان: منطقة جبلية نائية في الصحراء الغربية (بالقرب من واحة سيوة).الزمان: قبل 20 عاماً (نوح عمره 12 عاماً).

الوصف:الشمس تغرب، والرمال تتحول للون الدم. طفلان يركضان نحو شق صخري غريب في الجبل.الأول: نوح (جريء، متهور، عيناه تلمعان بالفضول).الثاني: عاصم (صديق طفولته المقرب، هادئ، لكنه يتبع نوح في كل شيء).

حوار الذاكرة:عاصم: (يلهث)"بلاش يا نوح.. جدي بيقول المغارة دي مسكونة.. اللي بيدخلها مبيطلعش زي ما كان."

نوح: (يضحك ببراءة الأطفال)"أنت خواف ليه يا عاصم؟ دي مجرد حفرة.. بيقولوا فيها كنز.. تخيل لو لقينا دهب! هنبقى ملوك."

عاصم:"أنا خايف.."

نوح: (يمسك يد صديقه بقوة)"طول ما أنا معاك متخافش.. إحنا إخوات، صح؟.. يالا."

الوصف:يدخلان الشق الضيق. الظلام في الداخل ليس طبيعياً. إنه ظلام "حي"، كثيف لدرجة أنه يكتم الأصوات.فجأة، الأرض تهتز تحتهما. يسقطان في هوة عميقة.يستيقظ نوح (الطفل) في قاعة صخرية ضخمة تحت الأرض، جدرانها تنبض بضوء بنفسجي خافت. في المنتصف، توجد بحيرة سوداء صغيرة، سطحها أملس كالمرآة.

صوت همس يملأ المكان، لا مصدر له:"واحد للنور في الظلمة.. وواحد للظلمة في النور."

نوح يقترب من البحيرة، يمد يده بفضول ليلمس الماء الأسود. في نفس اللحظة، عاصم (الذي كان يرتجف في الزاوية) يصرخ ويركض ليدفعه بعيداً خوفاً عليه، لكنه يسقط هو في الماء بدلاً منه.عاصم يسقط في السواد.نوح يصرخ ويمسك يد عاصم ليحاول سحبه، لكن شيئاً ما يسحب عاصم لأسفل. الظل يزحف من ذراع عاصم وينتقل لجسد نوح.تحدث صدمة طاقة هائلة.عاصم يختفي في العمق وهو يصرخ: "نوح! ساعدني!"ونوح يُقذف بقوة خارج المغارة، وقد أصبح ظله.. أطول وأكثر سواداً من الليل.

(نهاية الفلاش باك)


(المشهد 12)المكان: العودة للواقع - داخل السيارة.الزمان: 03:15 صباحاً.

الوصف:نوح يشهق بقوة ويفتح عينيه، يجد السيارة تنحرف عن الطريق. يمسك المقود في اللحظة الأخيرة ويعيدها للمسار.صدره يعلو ويهبط. الذكرى كانت واضحة ومؤلمة وكأنها حدثت بالأمس.

نوح: (يهمس بصوت ضعيف)"عاصم.."

ليلى:"بتقول إيه؟ مين عاصم؟"

نوح: (يتجاهل سؤالها، وينظر للطريق بتركيز وحقد)"الجنرال.. الجنرال مكنش مرتزق.. الجنرال كان بيكمل اللي بدأه عاصم.. أو يمكن.."

يتوقف عن الكلام. فكرة مرعبة تلمع في رأسه. هل الجنرال هو "عاصم"؟ لا، عاصم اختفى، لكن ربما نسله؟ أو ربما عاد بشكل آخر؟السيف الذي ضربه به الجنرال.. كان عليه نفس النقش الذي كان على جدار تلك المغارة الملعونة.

نوح:"ليلى.. اسمعيني كويس. 'الجنرال' ده مش هدفه فلوس ولا معلومات.. ده تار بايت.. تار بقاله عشرين سنة مدفون في مغارة في الصحرا."

ليلى:"أنا مش فاهمة حاجة يا نوح! إيه اللي بيحصل؟ وإيه علاقة المغارة بشركتنا؟"

نوح:"شركتنا؟.. (يضحك بمرارة) 'الألفي جروب' اتبنت بفضل القوة اللي أخدتها من المغارة دي.. أنا بنيت الإمبراطورية دي بالخوف.. بالظلال اللي بتخدمي.. لكن التمن كان عاصم.. ودلوقتي، الظاهر إن الديانة جت عشان تاخد حقها."


(المشهد 13)المكان: قصر "الألفي" القديم - محافظة سوهاج (جزيرة شندويل).الزمان: 06:00 صباحاً (شروق الشمس).

الوصف:السيارة تصل لبوابة قصر قديم مهيب، مبني بالطراز المعماري الصعيدي الفخم لكنه يبدو مهجوراً جزئياً. حقول القصب تحيط به من كل جانب.البوابة الحديدية الضخمة تفتح بصرير مزعج بمجرد اقتراب السيارة (الحراس يعرفون سيارة نوح).ينزل نوح، شاحب الوجه، يتكئ على السيارة.يخرج من القصر رجل عجوز، طويل القامة، يرتدي جلباباً صوفياً وعمامة، وجهه محفور بتجاعيد الزمن لكن ظهره مستقيم. إنه "الجد: منصور الألفي".

الحوار:الجد منصور: (يقف على السلم، ينظر لحفيده بنظرة ثاقبة)"كنت عارف إنك هترجع يا ولد.. الدم عمره ما بيبقى ميه.. والظل عمره ما بيفارق صاحبه."

نوح: (يتقدم خطوات متعثرة)"جدي.. اللعنة.. رجعت."

الجد منصور: (ينظر لذراع نوح المصابة، ثم ينظر لليلى التي تقف خلفه بخوف)"مش اللعنة بس اللي رجعت.. (يشير لليلى) الخيانة كمان رجعت.. دمك مسموم يا نوح.. بس مش بسيف حد غريب.. ده سيف 'المنفيين'."

نوح:"المنفيين؟.. تقصد عاصم؟"

الجد منصور:"عاصم مات يوم ما دخل المغارة.. اللي طلع منها.. واللي نسله بيطاردك دلوقتي.. دول 'آكلي الظلال'.. (يقترب من نوح ويمسك كتفه) ادخل.. الزمن بيجري، ولو الشمس غابت وأنت لسه مسموم.. الظل اللي جواك هياكلك."


(المشهد 14)المكان: ساحة داخلية بالقصر - مفتوحة على السماء.الزمان: 07:00 صباحاً.

الوصف:نوح يجلس عاري الجذع وسط الساحة. الجد منصور يحضر وعاءً فخارياً قديماً به خلطة أعشاب وزيوت سوداء، ويتمتم بكلمات غير مفهومة.ليلى تراقب من الشرفة العلوية، تشعر بالذنب والخوف.الجد يضع الخليط على جرح نوح.صرخة ألم مكتومة تخرج من نوح. الدخان الأسود يتصاعد من الجرح وكأنه شيطان يخرج.

الحوار:الجد منصور: (وهو يضغط على الجرح)"اتحمل.. السم ده عايز يطفي نورك الداخلي.. العدو المرة دي مش عايز يقتلك وبس.. عايز ياخد 'الهبة' اللي أخدتها من المغارة."

نوح: (بين أنفاسه المتقطعة)"مين هو الجنرال يا جدي؟.. أنا حسيت بحاجة مألوفة فيه."

الجد منصور:"الجنرال ده يبقى 'ابن' عاصم.. الولد اللي اتولد في الظلام.. لما عاصم غرق، الكيان اللي في المغارة تلبسه.. ولما خرج بعد سنين، كان معاه ***.. الطفل ده كبر عشان يرجع ياخد اللي بيعتقده حقه.. قوتك."

نوح:"يعني أنا مش بحارب منظمة.. أنا بحارب شبحي."

الجد منصور:"بالضبط.. وعشان تهزمه.. لازم ترجع للمصدر.. لازم ترجع للمغارة تاني."

نوح:"أرجع للجحيم ده تاني؟"

الجد منصور:"يا ترجع وتاخد 'السر الكامل'.. يا تستنى لما هو يجيلك وياخد روحك.. ومعهوش رحمة."


(المشهد 15)المكان: مكان مجهول (مقر الجنرال).الزمان: في نفس التوقيت.

الوصف:غرفة مظلمة تماماً لا ينيرها سوى وهج سيف الجنرال الموضوع على طاولة حجرية.الجنرال يجلس، ويخلع قناعه لأول مرة. وجهه.. نسخة مشوهة من وجه نوح. نفس الملامح، لكن البشرة رمادية ميتة، والعينان سوداوان بالكامل بلا بياض.يمسك صورة قديمة ممزقة لنوح وعاصم وهما *****.

الجنرال (يهمس بصوت مزدوج مرعب):"هو أخد النور.. وأنا أخدت العتمة.. بس العتمة جعانة يا نوح.. جعانة أوي.. وقريب.. هنبقى واحد تاني."

ينظر لظله على الحائط.. الظل يتحرك ويشكل هيئة وحش يفتح فمه ليبتلع الغرفة.


نهايه الفصل الأول

لا تظن يا عزيزي انك تعلم الكثير مهما كان درجه معرفتك فهيا مجرد نقطه في بحر معرفه غيرك
🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟

الجزء الثاني:

🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟
كان الطريق الزراعي الممتد نحو أعماق محافظة سوهاج يبدو وكأنه نفق زمني يعود بالمسافرين إلى عصور غابرة، حيث الظلام ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كيان ثقيل يطبق على الصدور، ورائحة الأرض الطينية المبللة بماء النيل تمتزج برائحة الدخان المنبعث من مواقد الفلاحين القديمة لتخلق مزيجاً يثير الحنين والرهبة في آن واحد. سيارة "نوح الألفي" الفارهة، التي كانت قبل ساعات قليلة تلمع تحت أضواء القاهرة الصاخبة، أصبحت الآن وحشاً معدنياً جريحاً، هيكلها مغطى بطبقة كثيفة من الغبار والطين، ودماء "الديجور" السوداء اللزجة تلطخ مقعد السائق الجلدي الفاخر، شاهدة على المعركة التي كادت تودي بحياته.

كان نوح يقود السيارة بيد واحدة، بينما يده الأخرى تضغط بقوة يائسة على كتفه الأيسر، حيث الجرح الذي سببه سيف "الجنرال" الغامض. لم يكن جرحاً عادياً؛ كان يشعر وكأن نيران الجحيم قد سُكبت داخل عروقه، ألم نابض يتحرك ببطء نحو قلبه، يرسل موجات من البرودة والسخونة في جسده المتعب. الظلال داخل السيارة كانت تتراقص بطريقة غير طبيعية، تتمدد وتنكمش مع كل أنفاسه، وكأن "الكيان" الذي يسكنه بدأ يخرج عن السيطرة، يتغذى على ألمه وضعفه. بجانبه، كانت "ليلى" تجلس في حالة من الصدمة والذهول، فستان السهرة الأحمر الأنيق الذي كانت ترتديه في الحفلة قد تمزق واتسخ، وشعرها الذي كان مصففاً بعناية أصبح شعثاً يغطي نصف وجهها الشاحب. كانت تنظر إلى الطريق المظلم بعينين متسعتين، ثم تختلس النظر إلى نوح بين الحينة والأخرى، وكأنها ترى شخصاً غريباً لا تعرفه، وحشاً يرتدي قناع ابن عمها.

"إحنا رايحين فين يا نوح؟" سألت ليلى بصوت مبحوح يرتجف من البرد والخوف، محاولة كسر الصمت الثقيل الذي خيم على السيارة لساعات. "أنت بتنزف ددمم لونه أسود.. ده مش طبيعي.. لازم نروح مستشفى، لازم دكتور يشوفك قبل ما تتصفى."

لم يلتفت إليها نوح، ظلت عيناه مثبتتين على الطريق الضيق المحاط بحقول قصب السكر الشاهقة التي بدت في الظلام كجيوش من الأشباح تتمايل مع الريح. أجابها بصوت خافت، أجش، وكأن الكلمات تخرج من قاع بئر عميق: "المستشفيات مبتعالجش اللعنات يا ليلى.. الدكاترة بيفهموا في الجروح، في الكسور، في الأمراض اللي ليها أسامي في الكتب.. لكن اللي عندي ده ملوش اسم في كتب الطب.. ده (تار) قديم.. وعلاجه مش في المدينة.. علاجه في الجذور."

زادت سرعة السيارة وهي تنحرف بحدة لتدخل طريقاً فرعياً غير ممهد، الحصى يتطاير تحت العجلات، وصوت المحرك يزمجر باعتراض. لاح في الأفق ظل ضخم، مبنى مهيب يقف وحيداً وسط الحقول، محاطاً بسور عالٍ من الطوب الأحمر والحجر الجيري القديم. إنه قصر عائلة "الألفي"، الحصن الذي هرب منه نوح منذ سنوات طويلة، وها هو يعود إليه الآن زاحفاً، مكسوراً، ومحتاجاً.

توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة التي علاها الصدأ، والتي تحمل شعار العائلة القديم: صقر يحمل سيفاً مكسوراً. خرج حراسان من غرفة الأمن الجانبية، يرتديان الجلاليب الصعيدية التقليدية، لكن الأسلحة الآلية الحديثة المعلقة على أكتافهم كانت تشير إلى أن هذا المكان ليس مجرد منزل ريفي، بل هو قلعة حربية متأهبة. وجه أحدهما كشافاً قوياً نحو وجه نوح، وصرخ بلهجة صعيدية حادة: "مين هناك؟ انزل وارفع يدك!"

فتح نوح الباب بجهد جهيد، وسقطت قدمه على التراب. وقف مترنحاً، يستند على باب السيارة، ورفع وجهه الشاحب نحو الضوء. عندما ميز الحارس ملامحه، تراجع خطوة للوراء، وخفض سلاحه ببطء، والدهشة تعقد لسانه: "سي نوح؟.. يا مرحب.. يا مرحب الغالي ولد الغالي.. افتح البوابة يا واد بسرعة! سي نوح رجع!"

انفتحت البوابة بصرير مزعج وكأنه أنين الزمن، ودخل نوح السيارة إلى الفناء الداخلي الواسع. القصر كان يبدو في حالة من العظمة المتداعية؛ الجدران العالية التي كانت يوماً رمزاً للنفوذ والسلطة، أصبحت الآن تحمل شقوقاً وتصدعات تخفيها الظلال. النوافذ الخشبية الكبيرة كانت مغلقة بإحكام، وكأن القصر يغلق عينيه عن العالم الخارجي.

نزل نوح، وتبعه ليلى التي كانت تتمسك بذراعه كطوق نجاة. في تلك اللحظة، انفتح الباب الرئيسي للقصر، وخرج منه رجل عجوز، طويل القامة بشكل ملحوظ، يرتدي جلباباً صوفياً أسود وعمامة كبيرة تزيد من هيبته. وجهه كان خريطة من التجاعيد التي حفرتها الشمس والزمن، لكن عينيه كانتا لا تزالان تلمعان بحدة الصقر الجارح، وعموده الفقري منتصب بكبرياء لم تكسره السنوات. إنه الجد "منصور الألفي"، كبير العائلة، وحارس أسرارها المظلمة.

وقف منصور على الدرجات الرخامية للمدخل، ينظر إلى حفيده العائد. لم يركض لاحتضانه، ولم تظهر على وجهه علامات الفرح أو الشوق. كانت نظرته مزيجاً من الحزن العميق، والغضب المكتوم، وشيء آخر أقرب إلى "خيبة الأمل" المتوقعة. نزل الدرجات ببطء، صوته العصا التي يتكأ عليها يضرب الأرض بإيقاع منتظم، (طرق.. طرق.. طرق)، حتى وصل أمام نوح مباشرة. نظر إلى الجرح الأسود الذي يلوث قميص نوح، وشم رائحة "الظلام" التي تفوح منه، فهز رأسه بأسف وقال بصوت عميق ورخيم يشبه صوت الرعد البعيد: "كنت عارف إنك راجع.. الدم بيحن لأصله يا ولدي، واللعنة بتحن لصاحبها.. مهما هربت، ومهما بعدت، ومهما لبست بدل وربيت دقن.. في الآخر، انت ابن (المغارة).. ورجعتلها زاحف."

سقط نوح على ركبتيه، لم يعد جسده قادراً على حمله. نظر لجده بعينين زائغتين، وهمس بألم: "ساعدني يا جدي.. السيف.. السيف كان مسموم بحاجة غريبة.. الظل بياكلني من جوه.. مش قادر أسيطر عليه.. الجنرال.. الجنرال ده مش بشر."

تغيرت ملامح الجد منصور عند سماع كلمة "الجنرال". ظهرت في عينيه نظرة رعب قديم، رعب ظن أنه دفنه منذ زمن. أشار فوراً للحراس الذين تجمعوا حولهم: "شيلوه.. دخلوه المضيفة الجوانية.. وقفلوا الأبواب والشبابيك كلها.. ومش عايز نملة تدخل أو تخرج من القصر الليلة.. اللي جاي ورانا مش حكومة ولا بوليس.. اللي جاي ورانا (تار) من عالم تاني."

حمل الرجال نوح، الذي فقد وعيه جزئياً، وساروا به عبر ممرات القصر الطويلة والمظلمة، بينما كانت ليلى تهرول خلفهم، تبكي بصمت، وتشعر أنها دخلت في كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه.

أدخلوا نوح إلى "المضيفة الداخلية"، وهي غرفة واسعة جداً تقع في قلب القصر، جدرانها مبنية من الحجر الصخري السميك، ومزينة بأسلحة قديمة؛ سيوف، بنادق عثمانية، ورماح صدئة. لم تكن هناك كهرباء في الغرفة، فقط مصابيح زيتية قديمة معلقة على الجدران تنشر ضوءاً أصفر راقصاً يزيد المكان غموضاً ووحشة.

وضعوا نوح على "دكة" خشبية كبيرة في وسط الغرفة. أمر منصور الجميع بالخروج ما عدا ليلى واثنين من كبار مساعديه الموثوقين. اقترب الجد من موقد نار مشتعل في زاوية الغرفة، وأخرج من جيبه قطعة معدنية غريبة الشكل، سوداء اللون ولها وميض أزرق خافت، تبدو وكأنها جزء من نيزك أو معدن غير أرضي. وضع القطعة في النار حتى احمرت وتوهجت.

اقترب من نوح، ومزق قميصه ليكشف عن الجرح. كان المنظر مرعباً؛ الجرح لم يكن ينزف دماً أحمر، بل مادة سوداء لزجة تتحرك وكأنها حية، وتحاول التوغل في الجلد السليم، ترسم خطوطاً سوداء تشبه العروق العنكبوتية حول منطقة الإصابة.

نظرت ليلى للجرح وشهقت، وضعت يدها على فمها لتمنع نفسها من التقيؤ. "إيه ده يا جدي؟.. ده غرغرينا؟"

"ده مش مرض يا بنتي.." قال منصور وهو يمسك القطعة المعدنية المتوهجة بملقط حديدي طويل: "ده (ختم).. ختم المنفيين. السيف اللي ضربه مصنوع من حديد (المغارة).. نفس الحديد اللي اتصنعت منه السلاسل اللي كانت حابسة الكيانات زمان.. الحديد ده لما بيلمس لحم البشر، بيفتح بوابة صغيرة للظلام يدخل منها ويسمم الروح قبل الجسم.. الطريقة الوحيدة عشان نوقف الزحف ده.. هي النار."

دون مقدمات، ودون تخدير، ضغط منصور بالقطعة المعدنية الملتهبة على جرح نوح مباشرة. ارتفع صوت "طشششش" مرعب، وتصاعد دخان أسود كثيف ذو رائحة كريهة تشبه رائحة الكبريت والشعر المحترق. انتفض جسد نوح بعنف، وصرخ صرخة مدوية هزت جدران القصر، صرخة ألم مخلوط بغضب وحشي، وعيناه انقلبتا لتصبحا بيضاوان تماماً للحظة، بينما ظله على الحائط تضخم وتحول لوحش يحاول الانفلات من جسده.

أمسك المساعدان بجسد نوح بقوة لتثبيته، بينما استمر الجد في الكي بقلب جامد لا يعرف الرحمة، يتمتم بكلمات غير مفهومة، ربما تعاويذ قديمة أو أدعية لرد الشر. بعد دقيقة بدت كأنها دهر، رفع منصور المعدن، وألقاه في وعاء ماء بارد، فصدر صوت غليان حاد.

سكن جسد نوح، وبدأ يلهث بصوت عالٍ، العرق يغطي وجهه وجسده بالكامل. عاد لون عينيه لطبيعته العسلية، لكن الإرهاق كان بادياً عليه بوضوح. نظر لجده بعينين زائغتين، وقال بصوت ضعيف: "أنا شفت الموت يا جدي.. شفت سواد ملوش قرار.. وشفت وشه.. الجنرال.. لما القناع وقع.. شفت.."

توقف نوح عن الكلام، وكأنه يخشى نطق الحقيقة. جلس منصور بجواره على كرسي خشبي، وأخرج كيس تبغ وبدأ يملأ غليونه ببطء، وكأنه يمنح نوح وقتاً ليستجمع شتات نفسه. أشعل الغليون، ونفث الدخان في الهواء، ثم نظر لنوح نظرة ثاقبة وقال: "شفت مين يا ولدي؟.. انطق.. متخافش من الحقيقة، الخوف هو اللي بيغذي الظل."

بلع نوح ريقه، وقال بصوت يرتجف: "شفت عاصم.. شفت عاصم صاحبي.. اللي مات من عشرين سنة.. اللي غرق قدام عيني في المغارة.. بس مكنش هو.. كان جسمه، وشه، صوته.. بس عينيه كانت فاضية.. كانت ميتة.. زي ما يكون (وعاء) فاضي وحد تاني سكنه."

سقط الغليون من يد منصور، وارتطم بالأرض وتناثر التبغ المشتعل. الملامح الصخرية للجد تشققت لتكشف عن فزع حقيقي. نظر لنوح، ثم لليلى التي كانت تستمع بذهول، ثم نهض ووقف أمام النافذة المغلقة، ينظر من خلال الشقوق للخارج، وكأنه يتوقع هجوماً في أي لحظة.

"عاصم.." همس منصور وكأنه يكلم نفسه: "كنت خايف من اليوم ده.. كنت بدعي **** إنه ما يجيش.. بس القدر مبيغلطش.. والديون القديمة لازم تتسدد."

التفت إليهم، ووجهه يحمل ثقل السنين والأسرار: "عيلة الألفي يا ولدي مكنتش مجرد أعيان عندهم أراضي وفلوس.. إحنا كنا (حراس).. حراس البوابة. من 300 سنة، جدك الأكبر (الشيخ همام) اكتشف (المغارة) في الجبل الغربي وهو بيطارد ديابة. لقى بحيرة سودة، مادة خام بتغير طبيعة البشر، بتديهم قدرات، بس بتاخد منهم روحهم. جدك فهم الخطر، وعمل عهد مع (حارس) المغارة القديم إنه يردم المدخل ويحمي السر، ومحدش من نسله يقرب هناك."

صمت منصور للحظة، ثم نظر لنوح بعتاب وحب في آن واحد: "لحد ما أنت وعاصم لعبتوا هناك وأنتو عيال.. الفضول قتلكم. كسرتوا العهد. أنت مديت إيدك في البحيرة.. فالظل سكنك، واختارك تكون (حامل) ليه.. لكن عاصم.. عاصم وقع فيها.. فالظل بلعه."

"بس أنا شفته بيموت!" صرخ نوح وهو يحاول النهوض: "أنا فضلت أصرخ وأنادي عليه، والمية بلعته! إزاي يطلع عايش؟ وإزاي يتحول للجنرال ده؟"

عاد منصور ليجلس أمامه، وأمسك بكتفه السليم بقوة: "اللي بيقع في بحيرة الظل مبيتمتش الموتة الطبيعية يا نوح.. بيتحول. جسمه بيفضل محفوظ، لكن روحه بتتاكل وتدوب في السواد. زمان، كنا بنقول إن اللي بيقع بيروح لعالم الجن.. لكن دلوقتي عرفت الحقيقة.. فيه حد طلع عاصم.. حد بيعرف في (العلم الأسود).. حد كان بيراقب المغارة ومستني اللحظة دي.. سحب جسم عاصم، ولعب في جيناته، وحقنه بمصلات شيطانية، وحوله لمسخ.. وعاء فاضي، عباه بكيان ظل صناعي.. عشان يصنع منه (الجندي المثالي).. الجندي اللي مبيحسش، مبيخافش، ومبيعرفش الرحمة."

شهقت ليلى وهي تضع يدها على قلبها: "عاصم؟ يعني هو ده الوحش اللي كان عايز يقتلنا؟ يا جدي ده مستحيل! ده كان أطيب قلب في الدنيا!"

نظر لها منصور بحدة وحزن: "صاحبكم الصغير مات زمان يا بنتي.. اللي جاي ورانا ده.. ده (مسخ) لابس وش عاصم.. ده سلاح في إيد اللي بيحركه.. وعشان نوقفه، لازم نقتله.. تاني."

"ومين اللي بيحركه؟" سأل نوح، وعيناه تشتعلان برغبة الانتقام: "مين اللي عمل فيه كده؟"

"واحد اسمه (البارون).." قال منصور الاسم وكأنه لعنة: "سمعت عنه من زمان، عالم مجنون، عضو في مجلس خفي بيحكم العالم من تحت لتحت، مهووس بفكرة الخلود ودمج البشر بالكيانات. هو اللي كان بيدور على المغارة بقاله سنين، وهو اللي لقى عاصم.. ودلوقتي، هو بعت الجنرال وراك عشان حاجة واحدة.. عشان دمك."

"دمي؟"

"أيوه.. دمك يا نوح.. أنت (النموذج الناجح). أنت الوحيد اللي قدرت تسيطر على الظل من غير ما تفقد عقلك، من غير ما تتحول لمسخ. دمك فيه (الشفرة) اللي البارون عايزها عشان يكمل تجاربه.. وعشان كده مش هيبطلوا يطاردوك."

فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن القصر بالكامل، وانطفأت حتى المصابيح الزيتية بفعل تيار هواء قوي ومفاجئ هب في الغرفة المغلقة. حل ظلام دامس وثقيل، وساد صمت مرعب للحظات، قبل أن يسمعوا صوتاً في الخارج. ليس صوت سيارات، ولا صوت بشر يصرخون.كان صوتاً يشبه "العواء"، لكنه عواء مكتوم، ميكانيكي، يخرج من حناجر لا تعرف الألم. وتلاه صوت "زحف" آلاف الأقدام وسط حقول القصب الجافة، صوت (خشخشة) منتظمة تقترب من الأسوار كطوفان من الجراد.

وقف منصور بسرعة مذهلة بالنسبة لعمره، وتحرك في الظلام بذاكرة المكان، سحب بندقية قديمة (بندقية فيل) من على الحائط، وعمرها بصوت (كليك - كلاك) مسموع."وصلوا.." قال منصور بصوت يقطر غضباً وتحدياً: "المرتزقة اللي معاه.. دول (المعدلين). مبيحسوش بالألم، ومبيموتوش بسهولة. نوح.. قوم.. جهز ضلك.. الليلة دي مش ليلة عتاب ولا حكي.. الليلة دي يا قاتل يا مقتول.. الليلة دي هنحمي البيت بدمنا، ولو القصر وقع.. يبقى كلنا هنقع معاه."

تحامل نوح على نفسه، ووقف على قدميه المرتعشتين. شعر بالظل داخله يتململ، يستشعر الخطر، ويستعد للقتال. نظر ليده في الظلام، فرأى أصابعه تتحول لمخالب دخانية سوداء. الألم في كتفه تحول لغضب بارد."أنا جاهز يا جدي.." قال نوح بصوت الديجور المزدوج: "خليهم ييجوا.. القصب النهاردة هيشرب ددمم."

خرج الجد والحفيد من الغرفة، تاركين ليلى ترتعد في الزاوية، متجهين نحو الفناء الخارجي، حيث بدأ جيش "الجنرال" في اقتحام الأسوار، وحيث ستبدأ المعركة التي ستحدد مصير سلالة الألفي للأبد.
لم يكن الصمت الذي خيم على قصر الألفي بعد انقطاع الكهرباء صمتاً طبيعياً، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، ثقيلاً ومحملًا برائحة البارود والترقب. وقف الجد "منصور" في منتصف الفناء الخارجي، كجبل لا يهزه ريح، قابضاً على بندقيته القديمة ذات الماسورتين، بينما انتشر رجاله المخلصون -الذين تربوا على حماية هذا البيت- فوق الأسوار وخلف الأعمدة، عيونهم تحدق في بحر الظلام المتموج الذي يحيط بهم. حقول قصب السكر، التي كانت يوماً مصدر رزق وخير، تحولت الليلة إلى غابة من الرماح تخفي بداخلها الموت الزاحف.

"يا رجالة!" صاح منصور بصوت جهوري قوي، كأنه قائد جيش قديم: "اللي جايين علينا دول مش بشر زينا.. دول (مسوخ) لا بيحسوا بوجع ولا بيعرفوا رحمة.. اضربوا في الراس.. واضربوا عشان تموتوا، مش عشان تعوروا.. الليلة دي دفاع عن العرض والدم!"

ما كاد صوته يخفت حتى انطلقت الإشارة. لم تكن صرخة حرب، بل صوت صفير ميكانيكي حاد ومزعج اخترق سكون الليل، تلاه وابل من قذائف الغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان التي سقطت داخل فناء القصر، محولة إياه إلى سحابة بيضاء خانقة. سعل الحراس، واختلت رؤيتهم، وفي تلك اللحظة بالذات، انقض "الجيش الميت".

خرجوا من وسط القصب كالشياطين، يرتدون بدلات تكتيكية سوداء وأقنعة غاز تغطي وجوههم بالكامل، عيونهم تلمع بضوء أخضر صناعي. قفزوا فوق الأسوار العالية بخفة ومرونة تتنافى مع الطبيعة البشرية، وكأن جاذبية الأرض لا تؤثر فيهم. التحموا مع حراس القصر في قتال قريب وحشي.

"نوح" كان يقف عند مدخل القصر الداخلي، يشاهد المذبحة بعينين تشتعلان غضباً. رأى أحد حراس جده يطلق النار من مسافة صفر على صدر أحد المرتزقة، رصاصتين في القلب مباشرة. المرتزق لم يسقط، لم يتأوه، بل استمر في التقدم بنفس السرعة، وأمسك برقبة الحارس وكسرها بحركة واحدة باردة وميكانيكية، ثم ألقى جثته جانباً وأكمل طريقه. هؤلاء ليسوا جنوداً؛ هؤلاء دمى لحمية محشوة بمصلات "البارون" الشيطانية.

"الظل.." همس نوح، وهو يغمض عينيه ويركز على الألم الذي ينهش كتفه. قرر أن يطلق العنان للوحش الذي يسكنه. لم يعد هناك مجال لإخفاء طبيعته. مد يده اليمنى، وبدأت أصابعه تستطيل وتتحول إلى مخالب من الدخان الأسود الكثيف. ظله الملقى على الأرض خلفه انفصل عنه، وتضخم، وأصبح كيانًا مستقلاً له عينان بيضاوان.

اندفع نوح إلى ساحة المعركة. لم يكن يركض، بل كان "ينزلق" بين الظلال. يختفي في بقعة مظلمة ليظهر خلف المرتزق، ويمرر مخالبه الدخانية عبر جسد العدو. لم يكن يقطع اللحم، بل كان "يسمم" الدم. بمجرد أن يلمس نوح أحدهم، تتيبس عروق المرتزق وتتحول للأسود، ويسقط يتشنج وهو يخرج رغوة سوداء من فمه. كانت قدرة نوح هي السلاح الوحيد الفعال ضد هؤلاء المعدلين جينياً، لأنه يهاجم الحياة نفسها فيهم، لا الجسد.

"يا ساتر يا رب!" صرخ أحد الحراس القدامى وهو يرى نوح يتحرك كالعفريت، يقطف الأرواح يميناً ويساراً، لكن الجد منصور صرخ فيه: "ركز في اللي قدامك يا واد! ده ولدنا.. وده سره اللي خبيناه سنين!"

في تلك الأثناء، ومن وسط الدخان والفوضى، ظهر "الجنرال". مشى ببطء وثقة وسط الجثث، يمسك سيفه الغريب المنقوش برموز "المنفيين". كان يرتدي درعاً خفيفاً، وقناعاً يغطي نصف وجهه السفلي، لكن عينيه.. تلك العيون الميتة التي عرفها نوح جيداً، كانت مثبتة عليه.

توقف القتال حولهما تدريجياً، وكأن ساحة المعركة نفسها تريد أن تشهد هذا اللقاء. وقف نوح، يلهث، والظل يلتف حوله كرداء ملكي ممزق، بينما وقف الجنرال أمامه، يمسح دماء أحد الحراس عن نصله.

"أخيراً.." نطق الجنرال، وصوته كان صدمة أخرى. لم يكن صوت "عاصم" الذي يتذكره نوح، ذلك الصوت الطفولي المرح. كان صوتاً مزدوجاً، طبقة بشرية مبحوحة ممتزجة بطبقة معدنية آلية، وكأن هناك آلة تتحدث من حنجرته: "أهلاً يا صديق الطفولة.. أهلاً يا شريك الجريمة."

"عاصم.." قال نوح بصوت يختنق بالعبرات، وهو ينظر لوجه صديقه وابن عمه الذي مات غرقاً أمامه منذ عشرين عاماً. نفس الملامح، لكنها خالية من الروح، جامدة كتمثال شمعي. "أنت عايش إزاي؟ أنا شفتك بتموت.. شفتك بتغرق في البحيرة!"

ضحك الجنرال ضحكة خالية من المرح، ضحكة تشبه صوت تكسر العظام: "عاصم مات يا نوح.. عاصم الضعيف، اللي كان بيخاف من الضلمة، غرق ومات. (البارون) هو اللي انتشلني.. هو اللي عاد تصنيعي. شال الخوف، شال الألم، وشال الضعف.. وحط مكانه (القوة).. أنا النسخة اللي كان المفروض أنت تكونها.. بس أنت هربت."

"أنت مش عاصم.." صرخ نوح، والظل حوله يثور: "أنت مسخ! البارون ده شيطان لعب في جسمك وعقلك! فوق يا عاصم! أنا نوح! نوح اللي كان بيسرق معاك التوت من الجنينة! نوح اللي حلف يحميك!"

"تحميني؟" صرخ الجنرال فجأة، وانفجر غضباً وحشياً: "أنت سبتني! أنت مديت إيدك وأخدت القوة لنفسك وسبتني أغرق! أنت الخاين! ودلوقتي.. أنا هاخد اللي يخصني.. هاخد دمك عشان أكمل التحول!"

اندفع الجنرال بسرعة جنونية، سيفه يلمع في الظلام قاصداً عنق نوح. رفع نوح ذراعه المغطاة بالظل لصد الضربة. (تشانج!). اصطدم السيف المعدني بالظل المتصلب، وتطاير شرر أسود وأزرق. كانت قوة الجنرال هائلة، تفوق قوة البشر بمراحل. ضغط بالسيف لأسفل، مجبراً نوح على الانحناء.

"أنت ضعيف يا نوح.." همس الجنرال في وجهه: "لسه متمسك بإنسانيتك.. وده اللي هيقتلك."

ركل الجنرال نوح في بطنه، فقذفه للخلف عدة أمتار ليرتطم بجدار القصر. سقط نوح، والسيف ترك جرحاً جديداً في ذراعه. الألم كان لا يطاق. حاول نوح النهوض، لكن الجنرال كان فوقه، يرفع السيف للضربة القاضية.

"ليلى!" صرخت ليلى من شرفة الدور الأول، وهي تحمل مسدساً صغيراً وتطلق النار بيديها المرتعشتين على الجنرال. الرصاصات أصابت درعه ولم تؤثر فيه، لكنها شتتت انتباهه لثانية واحدة. ثانية كانت كافية.

استغل نوح اللحظة. لم يحاول صد السيف، بل استخدم قدرته على "الانتقال الآني القصير". ذاب جسده في الظل الموجود تحت قدمي الجنرال، وظهر فجأة خلفه."عاصم.. سامحني!" همس نوح، وغرز "خنجر ظل" في ظهر الجنرال، في المكان الذي يفترض أن يكون فيه العمود الفقري.

توقع نوح أن يسقط الجنرال مشلولاً. لكن الجنرال استدار ببطء، ونظر للخنجر المغروز في ظهره، ثم ضحك. أمسك بيد نوح، ولوى ذراعه بقوة كسرت العظم."أنا قلتلك.. أنا مبيحسش.. وعمودي الفقري مش عضم.. ده تيتانيوم."

أمسك الجنرال برأس نوح، ورفعه عن الأرض، وبدأ يضغط. نوح شعر بجمجمته تكاد تتهشم. الرؤية بدأت تغبش. كان الموت قريباً جداً.وفي تلك اللحظة الحرجة، دوى صوت انفجار هائل، ليس رصاصاً، بل انفجار قذيفة مدفعية قديمة. بوابة القصر انهارت تماماً، ودخلت سيارة نصف نقل قديمة تحمل مدفعاً رشاشاً ثقيلاً مثبتاً في الخلف، يطلق النار بكثافة مرعبة على المرتزقة.

كان الجد "منصور" يقف فوق السيارة، يطلق النار بمدفعه الشخصي القديم (بندقية الفيل)، وبجانبه رجال من عائلات الصعيد المجاورة الذين هبوا لنجدة "البيت الكبير" عندما رأوا النيران."يا أهل النخوة! الأرض والعرض!" صرخ منصور.

ارتبك المرتزقة. الهجوم المفاجئ من الخلف، والأعداد الكبيرة للصعايدة المسلحين الذين لا يهابون الموت، قلب الموازين.نظر الجنرال حوله. أدرك أن المعركة التكتيكية قد خُسرت، وأن الاستمرار يعني إبادة قواته الثمينة التي لا يمكن تعويضها بسهولة.رمى نوح على الأرض بقسوة."النهاردة.. حظك حلو يا ابن عمي.." قال الجنرال وهو يتراجع للخلف بمهارة، ويطلق قنبلة دخان كثيفة: "بس دمك هيفضل يناديني.. والسم اللي في جسمك هيجيبك ليا زاحف."

اختفى الجنرال وسط الدخان، وتبعه ما تبقى من المرتزقة، منسحبين بسرعة ونظام عسكري دقيق، تاركين خلفهم دماراً وجثثاً، وتساؤلات لا تنتهي.

سعل نوح، وحاول الزحف، لكن قواه خارت تماماً. شعر ببرودة الأرض تتسرب إلى عظامه، والظلام في عينيه لم يكن ظلاً، بل كان إغماءة الألم. آخر ما رآه كان وجه جده منصور وهو ينحني فوقه، ووجه ليلى الباكي، قبل أن يبتلعه السواد.

(بعد ساعات - الفجر)استيقظ نوح في المضيفة مرة أخرى. الجرح في كتفه كان قد تم تضميده بأعشاب غريبة ذات رائحة نفاذة، وذراعه المكسورة مجبرة بجبائر خشبية.جلس بصعوبة، ليجد الجد منصور يجلس أمامه، ينظف بندقيته، وليلى نائمة على كرسي في الزاوية من شدة الإرهاق.

"مشيوا؟" سأل نوح بصوت ضعيف."مشيوا.." رد منصور دون أن يرفع عينيه عن السلاح: "بس سايبين وراهم رسالة. الموت لسة بيحوم حوالينا يا ولدي. السم اللي في جسمك.. بينتشر أسرع مما كنت فاكر."

نظر نوح ليده. العروق السوداء تجاوزت الكتف ووصلت للرقبة."فاضلي قد إيه؟""يومين.. بالكتير تلاتة." قال الجد بصدق قاسٍ: "وبعدها.. يا تموت.. يا تتحول لمسخ زيه."

صمت نوح قليلاً، يسترجع صورة عاصم المشوهة. تذكر الطفولة، اللعب في الحقول، واليوم المشؤوم في المغارة."أنا مش هتحول.." قال نوح بإصرار: "أنا لازم أروح المغارة. أنت قلت إن العلاج هناك."

"المغارة هي الحل الوحيد." وافقه الجد: "بس الوصول ليها مش سهل. الجبل الغربي بقى منطقة محرمة. وفيه كلام.. كلام عن (حارس) جديد ظهر هناك. راجل غريب، درويش، عايش وسط الديابة، وبيمنع أي حد يقرب من المدخل."

"حارس؟""أيوه. البدو بيقولوا عليه (الولي).. وبيقولوا إنه بيعرف أسرار الدنيا. لو حد يقدر يساعدك تدخل وتغتسل في البحيرة من غير ما تموت.. يبقى هو."

نهض نوح، متجاهلاً الألم الذي يمزق جسده."أنا رايحله. دلوقتي.""استنى الصبح..""مفيش وقت للصبح يا جدي. كل دقيقة بتعدي.. عاصم بيقرب مني أكتر.. والبارون بيكسب."

استيقظت ليلى على صوتهم. نظرت لنوح، ورأت التصميم في عينيه، ورأت أيضاً اليأس."أنا جاية معاك." قالت ليلى وهي تقف وتعدل ملابسها الممزقة: "أنا شفت عاصم.. شفت اللي عملوه فيه. أنا مش هسيبك تروح لوحدك وتواجه المصير ده."

نظر نوح إليها. كانت تبدو قوية لأول مرة. لم تعد ليلى الفتاة المدللة، ولا المنافسة الطامعة. صدمة رؤية حبيب طفولتها يتحول لوحش غيرت شيئاً بداخلها."الطريق وعر يا ليلى.. وممكن منرجعش.""مبقتش فارقة." ردت بتحدٍ: "أنا عايزة أفهم.. عايزة أعرف ليه."

أومأ نوح برأسه. التفت لجده، وقبل يده الخشنة."ادعيلي يا جدي.""دعيالك الأرض يا ولدي.. ودعيالك مظالم الناس اللي ناوي تجيب حقهم. خد العربية الجيب القديمة.. وسلاحك.. وتوكل على ****."

خرج نوح وليلى من القصر، تاركين خلفهم رائحة الموت والدخان، متجهين نحو الغرب، نحو الجبال الشاهقة التي تخفي في بطنها "المغارة"، وحيث يجلس رجل غامض يدعى "آدم"، ينتظر وصول "الكيميائي" ليبدأ الفصل الجديد من الحكاية.
نهايه الجزء الثاني
وبعتزر جدا عن التاخير واوعدكم الروايه هتخلص في أسرع وقت ممكن
🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟



لجزء الثالث: حارس البوابة​

🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟
كانت السيارة الجيب القديمة، التي يعود تاريخ صنعها إلى السبعينات، تئن وتصرخ مع كل مطب صخري في الطريق الوعر المؤدي إلى الجبل الغربي. لم يكن هناك أسفلت هنا، فقط رمال خشنة وحجارة حادة تشبه أسنان الوحوش، والظلام الحالك يبتلع ضوء الكشافات الأمامية المرتعشة وكأنه وحش جائع. خلف عجلة القيادة، كانت "ليلى" تجاهد للسيطرة على الوحش المعدني، يداها الناعمتان اللتان اعتادتا حمل حقائب الماركات العالمية وكؤوس الكريستال، أصبحتا الآن ملوثتين بالشحم والتراب، تقبضان على المقود بقوة يائسة حتى ابيضت مفاصلها. كانت تقود وهي تبكي بصمت، دموعها تختلط بالعرق والغبار على وجهها، لكنها لم تتوقف، ولم تلتفت للخلف، لأنها تعلم أن التوقف يعني الموت.

بجوارها، كان "نوح" يغرق في عالم آخر. عالم من الألم والهذيان. السم الأسود الذي حقنه سيف "الجنرال" في جسده لم يكن مجرد مادة كيميائية؛ كان "كوداً" خبيثاً يعيد كتابة حمضه النووي، يحاول طرد روحه البشرية ليحل محلها شيء آخر. كان جسده يحترق بحمى باردة، والعروق السوداء التي بدأت من كتفه قد زحفت الآن لتغطي رقبته ونصف وجهه الأيسر، راسمًا خريطة للموت على جلده الشاحب. كان يرى هلاوس تتراقص أمامه في الظلام؛ يرى "عاصم" الطفل يركض أمام السيارة ويضحك، ثم يتحول فجأة إلى ذلك المسخ المعدني ذو العيون البيضاء ويصرخ في وجهه.

"نوح.. رد عليا.. خليك صاحي!" صرخت ليلى وهي تنحرف بالسيارة لتفادي صخرة ضخمة: "إحنا قربنا.. الجبل قدامنا أهو.. متغمضش عينك!"

فتح نوح عينيه بصعوبة، كانت الرؤية مشوشة، يرى العالم بنسختين متداخلتين، نسخة الواقع، ونسخة "الظل" حيث كل شيء رمادي وميت. نظر لليلى، فرأى هالتها تلمع بضوء أزرق خافت، ضوء الخوف الممزوج بالإصرار. حاول أن يتكلم، فخرج صوته كخربشة على زجاج: "مش.. مش قادر.. الظل تقيل أوي يا ليلى.. بيشدني لتحت.. بيوريني حاجات.. بيوريني (البارون)."

"مين البارون ده؟" سألت وهي تضغط على دواسة البنزين لتعبر كثيباً رملياً ناعماً.

"الشيطان.." همس نوح، وعيناه تتسعان برعب داخلي: "أنا شايفه في راسي.. لابس أبيض.. في أوضة بيضاء.. وبيضحك.. وماسك قلب عاصم في إيده.. لسه بينبض.. وبيقولي: (دورك جاي).. ليلى.. لو مت.. أو لو اتحولت.. اضربيني بالنار.. مسدس جدي معاكي.. متتردديش."

"اخرس!" صرخت فيه وهي تضرب المقود بيدها: "مش هتموت! ومش هضربك بالنار! أنت هتعيش وهترجعلي عاصم.. وهترجع نوح اللي أنا أعرفه! إحنا وصلنا.. وصلنا الجبل!"

توقفت السيارة عند سفح الجبل الغربي. المكان هنا كان مختلفاً عن أي مكان آخر في الصعيد. الصمت لم يكن طبيعياً؛ كان صمتاً "مفروضاً"، وكأن الجبل نفسه يحبس أنفاسه. الصخور كانت سوداء بركانية، حادة ومدببة، تشكل تضاريس وعرة تشبه قلعة طبيعية محرمة. لا توجد حشرات، لا توجد طيور، لا شيء حي يجرؤ على الاقتراب من "حرم المغارة".

نزل نوح من السيارة، وسقط فوراً على ركبتيه. تقيأ مادة سوداء لزجة. هرعت إليه ليلى وأسندته. كان وزنه ثقيلاً، أثقل من المعتاد، وكأن الظل يضيف وزناً فيزيائياً لجسده."اتسند عليا.." قالت ليلى وهي تضع ذراعه حول عنقها: "المسافة مش بعيدة.. جدي وصفلي الطريق.. ممر (الضبع) بيطلع لفوق."

بدأوا رحلة الصعود. كانت رحلة جحيمية. كل خطوة كانت تتطلب جهداً خرافياً. نوح كان يجر قدميه، وليلى كانت تسحبه، تتعثر وتقوم، تجرح قدميها في الصخور ولا تبالي. كان القمر بدراً مكتملاً، يلقي بضوء فضي بارد على الجبل، يجعل الظلال تبدو طويلة ومخيفة، وكأنها أيادٍ تمتد لتمسك بأرجلهم.

وفي منتصف الطريق، توقف نوح فجأة. تجمد جسده، واتسعت عيناه وهو ينظر لنقطة مظلمة بين الصخور."استني.." همس نوح: "إحنا مش لوحدنا."

"فيه إيه؟ ديابة؟" سألت ليلى وهي تتحسس المسدس في جيبها.

"لا.." قال نوح، وهو يشم الهواء: "ريحة ددمم.. وريحة.. (قدم)."

من خلف صخرة ضخمة، خرج ثلاثة رجال. لم يكونوا من أهل الصعيد، ولم يكونوا من مرتزقة الجنرال. كانوا يرتدون ملابس رثة، جلود حيوانات ممزقة، وشعرهم طويل وأشعث، وعيونهم تلمع بجنون وهوس. في أيديهم سكاكين بدائية وعظام مسنونة. هؤلاء هم "المجاذيب" المنبوذين الذين يسكنون الجبل، الذين أكل الظلام عقولهم وتحولوا إلى حيوانات بشرية تقتات على الجثث والضلال.

"لحم.." همس أحدهم بصوت يشبه فحيح الأفعى، وهو ينظر لليلى بنظرة جائعة مقززة: "لحم طري.. وجديد."

"ابعدوا!" صرخت ليلى ورفعت المسدس، يدها ترتعش: "هضرب!"

ضحك المجذوب ضحكة هستيرية، وتقدم خطوة: "النار مبتوجعش اللي ميت يا حلوة.. إحنا حراس العتبة.. والضريبة لازم تدفع."

انقضوا عليهم.أطلقت ليلى النار. الرصاصة أصابت أحدهم في كتفه، لكنه لم يتوقف، بل زاد جنونه. هجم على ليلى وأسقط المسدس من يدها، وحاول عضها في ذراعها. صرخت ليلى وهي تضربه بالحجر، لكن قوته كانت حيوانية.

رأى نوح ليلى في خطر. ورغم ألمه، ورغم السم الذي ينهشه، تحركت غريزة الحماية داخله. أو ربما، تحرك "الوحش"."سيبوها!" زمجر نوح بصوت مزدوج مرعب.مد يده السليمة. لم يستدعِ الظل هذه المرة، فالظل كان مريضاً مثله. بل استدعى "السم" الذي يجري في دمه.أمسك برقبة المجذوب الذي يهاجم ليلى من الخلف.غرز أصابعه في لحمه.وانتقلت العدوى.السائل الأسود تدفق من عروق نوح إلى عروق المجذوب.صرخ المجذوب وكأنه يلمس جمرة من جهنم. تلونت عيناه بالسواد، وبدأ يتقيأ رغوة سوداء، ثم سقط يتشنج ويموت في ثوانٍ.

نظر المجذوبان الآخران لنوح برعب. رأوا عينيه اللتين تحولتا للأسود الكامل، ورأوا العروق النافرة في وجهه."اللعنة.." همس أحدهم: "ده مش بشر.. ده شيطان!"هربوا، يركضون ويقفزون بين الصخور كالقرود المذعورة، تاركين رفيقهم الميت وليلى التي كانت تنظر لنوح بخوف جديد.

"نوح.." همست ليلى وهي تبتعد عنه قليلاً: "أنت.. أنت قتلته بلمسة؟"

نظر نوح ليده الملطخة بالسواد. لم يكن يشعر بالندم، بل شعر بـ "قوة" غريبة. السم الذي يقتله.. هو نفسه سلاح."مش وقته يا ليلى.." قال بصوت يلهث: "السم بيزيد.. لازم نوصل للمغارة قبل ما أبقى زيهم."

واصلا الصعود، بصمت وخوف، حتى وصلا أخيراً إلى القمة المسطحة حيث يقع مدخل المغارة الأسطوري.لكن المدخل لم يكن مفتوحاً.كان هناك رجل يجلس أمامه.

رجل يجلس القرفصاء على حجر مسطح، ظهره للمغارة ووجهه للقمر. كان يرتدي عباءة بسيطة من الخيش، ولثاماً يغطي نصف وجهه. بجانبه عصا خشبية طويلة تبدو عادية، لكنها مصقولة بعناية فائقة. لم يكن يبدو عليه الجنون مثل المجاذيب، ولا القسوة مثل المرتزقة. كان يبدو.. "ساكناً". سكون الجبل نفسه.

توقف نوح وليلى أمامه."أنت الحارس؟" سأل نوح بصوت مجهد، وهو يحاول الوقوف مستقيماً ليحافظ على كرامة "الألفي" الأخيرة.

لم يتحرك الرجل. لم يرفع رأسه. قال بصوت هادئ، عميق، ورخيم، صوت لا يناسب هيئته البسيطة:"الطريق مقفول يا ابن الألفي. ارجع.. الموت أرحم لك من اللي جوه."

"أنا مبعرفش أرجع.." رد نوح بحدة، وخطا خطوة للأمام: "أنا جاي آخد الدواء.. ومش همشي من غيره."

رفع الرجل رأسه ببطء. كشف اللثام عن وجهه. ملامح قوية، صارمة، وعينان عميقتان جداً، فيهما لمعة غريبة كأنهما تعكسان نجوماً من زمن آخر. (إنه آدم، لكنه يخفي حقيقته).نظر لنوح، ثم لجرحه الأسود، وهز رأسه بأسف:"أنت فاكر إن ده دواء؟ أنت جاي تدور على قوة تانية.. فاكر إنك لو سيطرت على الظل هتشفي نفسك. بس الحقيقة.. أنت عايز تنتقم. والانتقام هيخلي السم ده ياكلك أسرع."

"أنت مالكش دعوة بيا!" صرخ نوح، وفقد صبره، وربما عقله. اندفع نحو الرجل، يده ممدودة بمخالب الظل والسم، يريد إزاحته عن الطريق بالقوة.

لم يقف الرجل.لم يرفع سلاحاً.بمجرد حركة بسيطة من عصاه، وكأنها امتداد ليده، صد هجوم نوح. ضربة خفيفة وسريعة على معصم نوح جعلت ذراعه تتخدر بالكامل. ثم بحركة دائرية للعصا، ضرب ساق نوح المصابة، فأسقطه على الأرض.كل هذا وهو جالس.

"أنت لسه عيل.." قال الرجل بهدوء مستفز: "بتلعب بقوة أكبر منك. الظل مش سلاح تمسكه في إيدك.. الظل (شريك) لازم تقبله."

حاول نوح النهوض، وعيناه تشتعلان غضباً أسود. "أنا هقتلك!""نوح لا!" صرخت ليلى وركضت لتقف بينهما، تفرد ذراعيها لتحمي نوح:"أرجوك يا سيدي! هو بيموت! إحنا مش جايين نحارب! إحنا جايين عشان (العهد)! جدي منصور قال إنك بتستنى صاحب الأمانة.. وهو ده! ده نوح الألفي! وده دمه اللي بيموت!"

نظر الرجل (آدم) لليلى. نظر في عينيها الدامعتين الصادقتين. ثم نظر لنوح الملقى على الأرض، يصارع الألم والسم والظل الذي ينهشه.تغيرت نظرة آدم قليلاً. من القسوة إلى شيء يشبه "الاختبار".

"العهد.." تمتم آدم وهو يقف أخيراً. كان طويلاً، وله هيبة تملأ المكان: "العهد بيقول إن اللي يدخل المغارة لازم يكون مستعد يسيب روحه القديمة على العتبة."

مشى نحو نوح. انحنى فوقه. وضع يده الدافئة على جبهة نوح المشتعلة.شعر نوح بتيار غريب يسري من يد الرجل. تيار "أبيض" هادئ، خفف الألم للحظة."أنت مين؟" همس نوح بضعف.

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة:"أنا اللي شفت البداية.. ومستني النهاية. سميني (الحارس). قوم يا نوح.. قوم وادخل. بس اعرف إن اللي هتشوفه جوه.. مش بس هيغير جسمك.. ده هيغير حقيقتك للأبد. لو دخلت.. مفيش رجوع للإنسان اللي كنت عليه."

أمسك نوح بيد الحارس، ونهض بصعوبة. نظر للمدخل المظلم للمغارة، الذي يبدو كفم وحش يفتح ببطء."أنا مبقاش فيا إنسان عشان أخاف عليه." قال نوح بمرارة.

أفسح آدم الطريق، وأشار بعصاه نحو الظلام:"إذن.. ادخل يا كيميائي. واكتشف معدنك الحقيقي."

سار نوح، مستنداً على ليلى، ودخلا إلى جوف الجبل، حيث ينتظرهم "بحر الظلمات"، وحقيقة ما حدث في تلك الليلة المشؤومة قبل عشرين عاماً. بينما وقف آدم عند المدخل يراقبهم، ويخرج من جيبه صندوقاً خشبياً صغيراً يتحسسه بيده، يهمس للنجوم: "الوريث الثالث وصل.. الدائرة تكتمل."
بمجرد أن عبر "نوح" و"ليلى" عتبة المغارة، انقطع الصوت والضوء القادم من العالم الخارجي تماماً، وكأن بوابة غير مرئية أغلقت خلفهما. الهواء في الداخل كان بارداً ورطباً، مشبعاً برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الدم القديم والحديد الصدئ. لم يكن الظلام هنا عادياً؛ كان ظلاماً "مادياً"، كثيفاً وثقيلاً، يضغط على الجلد والعينين. أخرجت ليلى كشافاً صغيراً من جيبها وأضاءته، لكن الضوء بدا ضعيفاً ومختنقاً، لا يكاد ينير سوى خطوات قليلة أمامهما.

سارا في ممر هابط طويل متعرج، جدرانه صخرية ملساء كأنها صُقلت بفعل حرارة عالية جداً، وعليها نقوش ورسومات بدائية لا تشبه الفن الفرعوني أو الروماني. كانت رسومات لأشكال بشرية مظلمة، تخرج منها خيوط تربطها بنجوم في السماء.

نوح (يتكئ على الحائط الصخري، أنفاسه تخرج كبخار أبيض في البرودة القارسة):"أنا فاكر الطريق ده.. بس زمان كان أوسع.. أو يمكن أنا اللي كنت صغير. كان فيه هنا صوت.. صوت (همس) بيجي من الحيطان."

ليلى
(ترتعد، وتوجه الضوء للنقوش):"المكان ده قبر يا نوح.. إحنا بندفن نفسنا بالحياة. صوت إيه اللي سامعه؟ أنا مش سامعة غير صوت أنفاسك المخيفة."

نوح
(يضغط على صدره، حيث السم يتجمع حول قلبه):"مش صوت ودان.. ده صوت في العضم. بيقولي: (قرب.. الوقت حان). عاصم سمع نفس الصوت زمان.. هو اللي شدني وراه."

وصلوا أخيراً إلى قاعة المغارة الرئيسية. كانت كهفاً هائلاً تحت الأرض، سقفه يضيع في الظلام، وفي وسطه.. ترقد "البحيرة".لم تكن مياه. كانت سائلاً أسود لزجاً، ساكناً تماماً كالزجاج الأسود، يعكس الفراغ فوقه. لا توجد تموجات، لا حركة، فقط سطح مصقول من الظلام الخالص.

وقف نوح على الحافة الصخرية للبحيرة. ذكريات تلك الليلة المشؤومة منذ عشرين عاماً عادت لتضربه كالإعصار. رأى طيفين صغيرين لطفلين يركضان ويضحكان، ثم الصرخة، والسقوط، واليد الصغيرة التي امتدت من السواد تطلب المساعدة، وهو.. هو الذي تجمد في مكانه ولم يمد يده إلا بعد فوات الأوان.

نوح (يسقط على ركبتيه، والدموع السوداء تسيل من عينيه):"هنا.. هنا ماتت براءتنا. وهنا اتولد الوحش."

ليلى
(تنظر للبحيرة بخوف، وتشعر بجاذبية غريبة تسحبها نحو الحافة):"نوح.. السائل ده.. بيتحرك. بص!"

نعم. السائل الأسود بدأ يتموج ببطء، وكأنه يستشعر وجود "حامله". خيوط رفيعة من الدخان الأسود بدأت تتصاعد من السطح وتتجه نحو نوح، وكأنها ترحب به أو تريد التهام ما تبقى منه.

نوح (يخلع قميصه الممزق، كاشفاً عن جسده الذي تحول لساحة معركة بين اللحم والظل):"آدم قال إن ده مش دواء.. ده (اختبار). أنا لازم أنزل."

ليلى
(تمسكه بقوة):"هتموت! جسمك مش هيستحمل! أنت شفت عاصم حصل فيه إيه!"

نوح
(ينظر لليلى نظرة وداع):"عاصم قاوم.. عاصم كان خايف. أنا مش هقاوم.. أنا هقبله. لو مت.. اهربي ومتوصيش حد عليا."

ترك يدها، ومشى نحو السائل.وضع قدمه الأولى. البرودة كانت لا تطاق، كأن آلاف الإبر تغرز في ساقه. لكنه استمر.نزل حتى وصل السائل لخصره. ثم صدره.شعر بالسم في عروقه يتفاعل مع السائل المحيط به. الألم تحول إلى خدر غريب.أخذ نفساً عميقاً أخيراً، وغاص برأسه تحت السطح الأسود.

(تحت السطح - الرؤية)

لم يختنق نوح. في اللحظة التي غمر فيها السائل رأسه، انتقل وعيه إلى مكان آخر. لم يعد في المغارة. كان في "الذاكرة".رأى المشهد القديم يتكرر أمامه بوضوح الكريستال.رأى نفسه طفلاً، وعاصم يقع في البحيرة.رأى الطفل عاصم يغرق، ويصرخ صرخات مكتومة تحت السائل.لكن هذه المرة.. الكاميرا لم تتوقف عند الغرق.رأى ما حدث "بعد" ذلك.رأى قاع البحيرة.لم يكن قاعاً صخرياً مسدوداً. كان هناك "ممر" مائي سفلي، وبوابة معدنية حديثة مخفية في القاع.انفتحت البوابة، وخرج منها غواصون يرتدون بدلات متطورة جداً (لا تناسب زمن العشرين سنة الماضية).أمسك الغواصون بجسد عاصم الغارق. وضعوا قناع أكسجين على وجهه.سحبوه لداخل البوابة.عاصم لم يمت غرقاً. عاصم "اختُطف".رأى نوح ومضات سريعة لما حدث بعد ذلك.معمل أبيض.. أجهزة جراحية.. رجل يرتدي معطفاً أبيض ونظارة طبية سميكة (البارون) يقف فوق جسد عاصم الصغير.يقطعون أطرافه.. يحقنونه بمواد سوداء.. يزرعون شرائح معدنية في عموده الفقري.عاصم يصرخ ويبكي وينادي اسم نوح.. لكن لا أحد يجيب.ثم رأى التحول. موت الطفل، وميلاد "الجنرال".

صرخ نوح (البالغ) في رؤيته. الألم النفسي كان أفظع من أي ألم جسدي. صديقه لم يمت بسلام.. صديقه عاش في الجحيم لعشرين عاماً بسببه. بسبب فضولهم.

صوت في الرؤية (ليس صوت آدم، بل صوت أعمق، صوت "الكيان" القابع في السائل):(الألم هو المفتاح يا نوح. الألم هو اللي بيغير المادة. أنت شفت الحقيقة.. دلوقتي، هل هتهرب منها زي زمان؟ ولا هتغيرها؟)

نوح
(في عقله):"مش ههرب. أنا هحرقهم. هحرق كل واحد لمس شعرة منه."

(إذن.. خذ هديتي. أنت لست (الظل) فقط.. أنت (الكيميائي). أنت من يحول الموت إلى حياة.. والحياة إلى موت. جسدك الآن.. هو المعمل.)


شعر نوح بانفجار في خلاياه. السائل الأسود لم يعد يحيط به فقط، بل تغلغل في كل خلية، في كل شريط DNA.الجرح في كتفه التأم، لكنه لم يختفِ، بل تحول لـ "بوابة" دائمة في جسده.الدم في عروقه تغير. لم يعد دماً بشرياً ولا سماً أسود.. أصبح خليطاً جديداً. مادة زئبقية رمادية.لقد "تطور".

(العودة للواقع)

اندفع نوح خارجاً من سطح البحيرة، يشهق الهواء بقوة، وكأنه يولد من جديد.قفزت ليلى نحوه، تسحبه للحافة الصخرية.سقط على الصخر، يلهث، وجسده يلمع بالسائل الأسود الذي بدأ "يمتصه" جلده ويختفي داخله.

ليلى (تتحسس وجهه وكتفه بذهول):"الجرح.. الجرح اختفى! والعروق السودة راحت! نوح.. أنت كويس؟"

فتح نوح عينيه.لم تكن عسلية كما كانت، ولا سوداء كما كانت عند الغضب.كانت "رمادية" تماماً، بؤبؤها يتسع ويضيق كعدسة مجهر.نظر ليده. ركز بصره.رأى جلده.. ليس كجلد، بل كـ "خلايا". رأى البكتيريا الموجودة على الصخر. رأى التركيب الكيميائي للهواء.رأى "الحياة" كمعادلة كيميائية يمكنه تعديلها.

نوح (ينهض، ويشعر بقوة هائلة تسري فيه، قوة هادئة وباردة):"أنا شفتهم يا ليلى. شفت اللي خطفوه. عاصم ممتش.. عاصم اتسرق. والبارون.. هو اللي عمل كده."

ليلى
:"هتعمل إيه؟"

نوح
(يقبض يده، فيتحول الهواء حول قبضته إلى غبار سام، ثم يعود هواءً نقياً بحركة أخرى):"هروحله. ومش هريحه بالموت. أنا (هفككه). هرجعه تراب."

سارا عائدين نحو المخرج. الخطوات كانت أسرع، وأكثر ثقة.عندما خرجا من المغارة، كان الفجر قد بدأ يشق السماء.و"آدم" (الحارس) لا يزال جالساً مكانه، وكأنه لم يتحرك بوصة واحدة طوال الساعات الماضية.

وقف آدم، ونظر لنوح نظرة فحص دقيقة.ابتسم برضا:"دخلت ولد.. وخرجت (كيميائي). التفاعل تم بنجاح."

نوح
(يقف أمامه بندية):"أنت كنت عارف كل حاجة. كنت عارف إن عاصم اتخطف من هنا. ليه مقلتش؟"

آدم
(يضرب عصاه في الأرض):"الحقيقة اللي بتتقال.. بتتنسي. الحقيقة اللي بتتشاف بالعين والدم.. هي اللي بتحرك الجبال. كان لازم تشوف بنفسك عشان نارك تتقد."

أخرج آدم من جيبه "صندوقاً خشبياً صغيراً" (نفس الصندوق الأسطوري)، ووضعه في يد نوح التي لا تزال رطبة من سائل المغارة.

آدم:"مهمتك لسه بتبدأ يا نوح. البارون والجنرال مجرد بداية. فيه (وباء) أكبر جاي. والصندوق ده.. فيه (الترياق) الأخير. خليه معاك. هتحتاجه لما المرض يستفحل في العالم."

نوح
(يأخذ الصندوق، ويشعر بطاقته الدافئة):"وباء إيه؟"

آدم
(يشير للأفق البعيد، ناحية القاهرة):"وباء النسيان.. ووباء الطمع. روح يا نوح.. روح طهر أرضك. ودمك هو سلاحك."

استدار نوح وليلى نحو السيارة الجيب.وقبل أن يركبا، التفت نوح ليشكر الحارس.. لكنه لم يجده.اختفى آدم وسط صخور الجبل، وكأنه كان طيفاً من أطياف الفجر.

شغل نوح المحرك.نظر لليلى التي كانت تنظر إليه بخوف وإعجاب.نوح:"ارجعي البيت يا ليلى. الحرب اللي جاية دي.. مش ليكي."

ليلى
(تربط حزام الأمان بإصرار):"أنا شفتك بتموت وبتحيا قدام عيني. أنا مش هسيبك. وبعدين.. أنت محتاج حد يسوق بيك للقاهرة.. عشان شكلك لسه دايخ."

ابتسم نوح، ابتسامة صغيرة حقيقية لأول مرة منذ زمن.نوح:"على القاهرة. البارون وحشني."

انطلقت السيارة نحو العاصمة، تحمل بطلاً جديداً، يحمل في عروقه دماءً ليست كدماء البشر، وفي قلبه ثأر عمره عشرون عاماً.
نهايه الجزء الثالث
🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟

الجزء الرابع: القرين​

🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟
كان الطريق الصحراوي الممتد من أقاصي الصعيد نحو القاهرة يبدو في تلك الليلة وكأنه خيط رفيع يربط بين عالمين؛ عالم السحر الأسود الذي خرجوا منه للتو، وعالم المدينة الصاخب الذي ينتظرهم بمؤامراته. داخل السيارة الجيب القديمة، كان الصمت أثقل من الجبال المحيطة بهم، صمت لا يقطعه سوى أزيز المحرك المجهد ورائحة الأوزون والمسك التي كانت تنبعث من جسد "نوح".

كانت "ليلى" تقود السيارة، لكن تركيزها لم يكن على الطريق. كانت تشعر بحرارة غير طبيعية تملأ المقصورة، حرارة مصدرها الرجل الجالس بجانبها. نوح، الذي كان يوماً ابن عمها الوسيم والمثقف، أصبح الآن "كياناً" يفيض بالرجولة الخام والقوة المظلمة. كان عارياً من الأعلى، جسده الأسمر يلمع بالعرق والزيت تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النوافذ. العروق الرمادية التي خلفها "الظل" لم تكن تشويهاً، بل بدت وكأنها نقوش مقدسة تبرز قوة عضلاته وتمنحه هيبة مرعبة.

كانت ليلى تستر السمع لأنفاسه الهادئة والعميقة، وشعرت برعشة تسري في عمودها الفقري كلما تحركت ذراعه واحتكت بكتفها عن غير قصد. كانت رغبة جامحة تتملكها، رغبة في التوقف على جانب الطريق، في لمس ذلك الجلد الذي يبدو وكأنه مصنوع من مادة كونية، في اكتشاف ما إذا كان "الوحش" الذي بداخله لا يزال يمتلك قلباً بشرياً ينبض.

ليلى (صوتها خرج مخنوقاً، مشحوناً بتوتر جنسي لا يمكن إخفاؤه):"نوح.. الحرارة هنا بقت لا تطاق.. أنا مش قادرة أتنفس. أنت.. أنت جسمك بيطلع نار."

لم يلتفت إليها نوح في البداية، ظل ينظر للأفق بعينين رماديتين تشعان بنور خافت. ثم، وببطء شديد جعل نبضات قلب ليلى تتسارع بشكل جنوني، أدار رأسه نحوها. كانت نظرته تخترق جلدها، وكأنه يرى رغبتها المكتومة وتوترها الجسدي بوضوح تام. مد يده الطويلة، ولمس يدها القابضة على المقود. كانت لمسته في البداية باردة، ثم فجأة تحولت لتيار كهربائي حارق جعل ليلى تطلق أنيناً خافتاً.

نوح (بصوت رخيم، هامس، يلامس أذنيها كأنه قبلة):"البرودة اللي بره مش هطفي النار اللي جوه يا ليلى. دمك بيغلي.. أنا سامع إيقاع قلبك بيضرب في عروقي. الرغبة اللي في عينيكي.. هي نفسها اللي بتحرق جزيئات جسمي دلوقتي. البارون اداني قوة.. بس القوة دي ليها تمن.. جوع ملوش آخر."

أوقف نوح السيارة فجأة بحركة خاطفة من يده على المكابح اليدوية. ساد صمت مطبق، لم يقطعه سوى أنفاسهما المتلاحقة. اقترب نوح منها حتى التصقت أجسادهما؛ شعرت ليلى بصلابة صدره تضغط على نهديها، وبرائحة "الظل" الممتزجة برائحة الذكورة الطاغية التي سلبتها قدرتها على التفكير.

ليلى:"أنت عايز تعمل فيا إيه يا نوح؟ أنت بقيت بتخوفني.. بس الخوف ده بيخليني عايزة أقرب أكتر."

انزلقت يد نوح من يدها لتستقر خلف رقبتها، جاذباً إياها نحوه بقوة هادئة لا تقاوم. شعرت ليلى بأصابعه الطويلة تتغلغل في شعرها، وبإبهامه يمر ببطء فوق شفتها السفلى المرتجفة. كانت المسافة بينهما قد تلاشت، والتوتر الجنسي وصل لذروة الانفجار.

نوح:"أنا مش بس عايزك يا ليلى.. أنا محتاج الكيمياء اللي في جسمك عشان أفضل متمسك بإنسانيتي. الوحش اللي جوايا عطشان.. وعطشه مش للدم بس."

اقترب من عنقها، وطبع قبلة طويلة وحارقة، لم تكن قبلة بشرية؛ كانت قبلة تملك وافتراس. شعرت ليلى بأن روحها تُسحب من جسدها، وبأن كل خلية فيها تصرخ طلباً للمزيد. واقترب اكثر من شفتيها ليلتقيا في قبله اجتاحت مشاعر ليلي لتشعر بتلك اللذه المثيره بين فخذيها وتشعر ان خيط ساخن ينزل من كسها لكن نوح تراجع فجأة، وعيناه تشتعلان بوميض رمادي حاد.

نوح:"مش هنا.. مش دلوقتي. الطريق لسه طويل.. والدم اللي هيسيل الليلة في القاهرة هو اللي هيطفي النار دي."

أعاد تشغيل السيارة وانطلق بسرعة جنونية، تاركاً ليلى في حالة من الذهول الجسدي، تحاول استجماع شتات نفسها وهي تشعر بآثار لمسته تحترق فوق بشرتها كالعلامة.

عندما دخلوا مشارف القاهرة، كانت المدينة تبدو كجثة هامدة تحت أضواء النيون الباهتة. توجه نوح نحو "منطقة المستودعات القديمة" في شرق العاصمة. هناك، وسط الحاويات الصدئة والظلال الكثيفة، كان "القرين" ينتظر.

نزل نوح من السيارة، وبحركة واحدة مزق ما تبقى من ثيابه، ليظهر جسده بالكامل كآلة حربية مصممة للقتل واللذة.نوح:"عاصم.. أنا عارف إنك هنا. الريحة اللي بتفوح من الميكانيكا بتاعتك بتزكم أنفي. اظهر.. وبلاش تمثيل."

من خلف حاوية ضخمة، خرج "الجنرال". لم يكن يرتدي قناعه، وجهه الذي يحمل ملامح عاصم كان مشوهاً بأسلاك ونبضات خضراء مقززة.الجنرال:"نوح.. جيت عشان تاخد موتك؟ البارون مستني (النخاع) بتاعك عشان يكمل تجربته. والست ليلى.. هتكون مكافأة للرجال بتوعي."

انطلق نوح نحو الجنرال كالسهم. لم يكن قتالاً تقليدياً، بل كانت رقصة دموية. نوح يستخدم "الكيمياء الحيوية" لتفكيك مادة الهواء حول قبضته لتصبح كالشفرات، والجنرال يستخدم قوته الهيدروليكية لتحطيم العظام.

في لحظة اشتباك حميمة وعنيفة، التصق جسد نوح بجسد الجنرال المعدني.نوح (يهمس في أذن عاصم بينما يغرس أصابعه في درعه):"فاكر طعم التوت يا عاصم؟ فاكر لما كنا بنجري في الغيط؟ أنا مش بقاتلك.. أنا بفكك السجن اللي أنت فيه."

تطاير الشرر والدم الرمادي في الهواء. كانت المعركة مشحونة بطاقة وحشية، وليلى تراقب بذهول وإثارة غير مسبوقة، ترى الرجل الذي كانت تداعبه منذ قليل يتحول إلى حاصد للأرواح، يمزق المعدن بيديه العاريتين، والظلال من حوله تلتف كأنها جيش مطيع.

انتهت الدفعة ونوح يرفع الجنرال بيد واحدة فوق رأسه، والبرق الرمادي يخرج من عينيه ليضيء ليل القاهرة المظلم، معلناً بداية عهد جديد من الرعب والكيمياء.
بعد تمزيق "الجنرال" في المستودعات، لم يتوقف نوح ليلتقط أنفاسه. كان جسده يشتعل بطاقة حركية (Kinetic Energy) غير مستقرة، وكأن "الظل" بداخله يطالب بالمزيد من القرابين. كانت ليلى تتبعه، أنفاسها لا تزال مضطربة مما شهدته وما شعرت به. لم تكن خائفة منه بقدر ما كانت "مفتونة" بهذا التحول الوحشي الذي يجمع بين الجمال القاتل والقوة المطلقة.

توجهوا نحو "قلعة الكيميائي المهجورة" في أطراف المقطم، وهو قصر بناه أحد علماء الخيمياء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، واتخذه "البارون" مقراً لإتمام طقوسه النهائية.

داخل السيارة (أثناء الصعود للمقطم):كانت الأجواء داخل السيارة مشحونة بصمت ثقيل، يقطعه فقط صوت احتكاك جلد نوح بمقعد السيارة. ليلى كانت تنظر إلى يديه الملطختين بدم "الجنرال" الرمادي، وشعرت برغبة غريبة في مسح ذلك الدم بأطراف أصابعها.

ليلى (بصوت هامس):"نوح.. أنت بتبصلي كأنك عايز تلتهميني مش بس تحميني. عيونك الرمادية دي.. بقت بتشوف إيه فيا دلوقتي؟"

أبطأ نوح سرعة السيارة، ونظر إليها بنظرة مفترس جائع. انحنى نحوها حتى أصبح أنفه يلامس أنفها، وشعرت بحرارة زفيره تحرق شفتيها.نوح:"بشوف النبض وهو بيجري في رقبتك يا ليلى.. بشوف ذبذبات الخوف اللي بتتحول لنشوة جوه دمك. الظل اللي جوايا مش بس بيغذي قوتي.. ده بيغذي غرائزي. أنا دلوقتي أقدر أسمع صوت انقباض عضلات قلبك.. وده بيخليني عايز أخدك بعيد عن العالم ده كله."

مرر يده الخشنة على طول ذراعها وصولاً لكتفها، وضغط برفق جعلها تطلق تنهيدة عميقة. كانت الكيمياء بينهما قد وصلت لمرحلة اللاعودة.

نوح:"اللي هيحصل في القلعة مش بس قتال.. دي حفلة ددمم. عايزك تفضلي ورايا، بس متغمضيش عينيكي.. عايزك تشوفي ابن عمك وهو بيعيد صياغة قوانين الطبيعة."

الوصول إلى القلعة:كانت القلعة محاطة بهالة من الضباب الأخضر الفسفوري. عند البوابة الضخمة، كان يقف "الحرس الكيميائي"؛ كائنات نصف بشرية، تم استبدال دمائهم بمركبات كبريتية.

لم ينتظر نوح. قفز من السيارة قبل أن تتوقف تماماً. وبحركة بهلوانية خارقة، أطلق موجة من "الظل السائل" من كفيه، قطعت رؤوس الحراس في ثوانٍ. كان يتحرك كشبح، لا تراه العين المجردة إلا كخيال أسود يترك وراءه أشلاءً ممزقة.

دخل نوح وليلى إلى القاعة الكبرى. هناك، كان "البارون" يجلس على عرش من العظام والمعدن، وحوله أنابيب ضخمة تنقل سائلاً ذهبيًا إلى وعاء زجاجي كبير يحتوي على.. "قرين نوح".

البارون (بصوت أجش يتردد في القاعة):"أهلاً بك يا نوح.. النسخة المكتملة. هل أعجبتك القوة؟ هل شعرت بلذة تفوق لذة النساء في تمزيق اللحم؟"

نوح (وعروقه تبرز بلون أسود داكن):"القوة اللي اديتهالي هتكون هي السكين اللي هتدبحك يا بارون. أنت محتاج نخاعي عشان تحيي القرين.. بس أنا هحرق القلعة دي باللي فيها."

فجأة، انفتحت الأنابيب، وخرج "القرين" من الوعاء. كان نسخة طبق الأصل من نوح، لكن بجسد شاحب جداً وعينين بيضاويتين تماماً، ويحمل طاقة سلبية تمتص الضوء من المكان.

المواجهة الكبرى:بدأ القتال بين نوح وقرينه. كان الأمر أشبه بصدام بين مادتين متضادتين. كل ضربة كانت تحدث انفجاراً صوتياً يهز جدران القلعة. ليلى كانت تقف في الزاوية، تشاهد نوح وهو يصارع نفسه، يصارع الجانب المظلم المتجسد أمامه.

في لحظة حرجة، تمكن القرين من طرح نوح أرضاً، وغرس أصابعه في صدره ليبدأ بسحب "الظل". صرخ نوح صرخة هزت أركان القلعة.ليلى (تصرخ بقوة):"نوح! أنت أقوى منه.. أنت عندك روح وهو مجرد كيمياء! افتكرنا.. افتكر اللحظة اللي كانت في العربية!"

تلك الكلمات كانت الوقود الذي يحتاجه نوح. انفجرت طاقة وردية (كيمياء العاطفة ممتزجة بالظل) من جسد نوح، مما أدى لتبخر القرين في لحظات.

التفت نوح نحو البارون، الذي كان يحاول الهرب. وبحركة خاطفة، كان نوح يقف خلفه، يده تخترق ظهر البارون لتخرج من صدره قابضة على "قلبه الميكانيكي".

نوح (يهمس في أذن البارون وهو يلفظ أنفاسه):"العلم اللي ملوش قلب.. هو مجرد نفايات."

سقط البارون جثة هامدة. بدأت القلعة في الانهيار نتيجة عدم استقرار المفاعلات الكيميائية. ركض نوح نحو ليلى، وحملها بين ذراعيه القويتين.

نوح:"لازم نخرج.. دلوقتي!"

بينما كانت النيران تلتهم القلعة، طار نوح بليلى عبر النوافذ المحطمة مستخدماً قوة الدفع الكيميائي، ليهبطا بسلام على منحدرات المقطم.

هناك، وسط الدخان والنار، وضعها على الأرض برفق. كان جسده يرتجف من المجهود، لكن عينيه الرماديتين كانتا تنظران إليها بعمق وحنان غير متوقع.

نوح:"خلصت يا ليلى.. الوحوش ماتت."

ليلى (وهي تلمس وجهه):"بس الوحش اللي جواك لسه صاحي.. وأنا مش عايزاه ينام."

انتهت الدفعة وهما يقفان أمام مشهد القاهرة المحترقة، والتحول الذي طرأ على نوح أصبح الآن جزءاً من هويته الجديدة.. "نوح الألفي: سيد الظلال".
وقف نوح وليلى على حافة المقطم، يشاهدان النيران وهي تلتهم "قلعة الكيميائي". كان الدخان الأسود يتصاعد ليعانق سماء القاهرة، وكأنه يمحو تاريخاً من التجارب البشرية المحرمة.

لحظة المواجهة مع الذات:كان جسد نوح لا يزال يخرج منه وهج رمادي خافت. نظر إلى يديه؛ لم تكن ترتعش، بل كانت ثابتة بشكل مخيف. القوة التي استمدها من "الظل" لم تختفِ بموت البارون، بل استقرت في نخاعه الشوكي، أصبحت جزءاً من حمضه النووي.

ليلى (بصوت يملؤه التساؤل):"نوح.. الوهج ده مش بيطفي ليه؟ البارون مات، والقرين اتدمر.. المفروض ترجع نوح اللي أعرفه."

التفت إليها نوح، وكانت عيناه قد فقدت بياضها المعتاد لتصبح كالمرآة العاكسة.نوح:"نوح اللي كنتي تعرفيه مات في اللحظة اللي دخل فيها المشرحة يا ليلى. اللي قدامك ده هو النسخة اللي العالم محتاجها.. العالم ده مش محتاج دكاترة، محتاج وحوش بتعرف تفرق بين الظلم والعدل."

الرحيل:لم ينتظرا وصول الشرطة أو سيارات الإطفاء. اختفيا في زقاق جانبي مؤدٍ إلى قلب السيدة زينب. هناك، في شقته القديمة التي تفوح منها رائحة البخور والكتب العتيقة، بدأت ليلى في تضميد جروح نوح، لكنها اكتشفت شيئاً أذهلها.. الجروح كانت تلتئم أمام عينيها بسرعة فائقة، يخرج منها خيوط سوداء تخيط الجلد ببعضه.

ليلى:"أنت مابقتش بشري يا نوح.. أنت بقيت "كيان"."

نوح:"والكيان ده ملوش مكان وسط الناس. البارون كان مجرد بيدق في لعبة أكبر. الأوراق اللي لقتها في جيبه قبل ما يموت بتشير لمنظمة اسمها 'أرغوس'.. دول اللي بيمولوا الكيمياء الحيوية في العالم كله. الحرب لسه مخلصتش."

الخاتمة:أخرج نوح "القلب الميكانيكي" الخاص بالبارون، ووضعه على الطاولة. بدأ القلب يصدر نبضات ضوئية زرقاء، وفجأة ظهرت خريطة ثلاثية الأبعاد (Hologram) لمدن مختلفة حول العالم: لندن، طوكيو، موسكو.. وفي كل مدينة كانت هناك نقطة حمراء وامضة.

نوح (وهو ينظر لليلى):"الجزء الرابع انتهى بموت البارون.. بس الجزء الخامس هيبدأ بموت 'أرغوس'. هتفضلي معايا؟"

ابتسمت ليلى ابتسامة غامضة، وأمسكت بمشرط طبي كان بجوارها، وجرحت يدها عمداً ليخرج دمها ممزوجاً ببريق ذهبي خفيف (أثر كيمياء البارون التي انتقلت إليها).ليلى:"لحد آخر نبضة.. يا سيد الظلال."
نهايه الجزء الرابع
🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟

الجزء الخامس: سطوة الديجور​

🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟
(المكان: شقة نوح السرية في السيدة زينب. الإضاءة شبه منعدمة، فقط ضوء القمر يتسلل من الشباك المكسور. نوح يجلس على كرسي جلدي قديم، يحدق في الفراغ، وجسده لا يزال يشع ببرودة غريبة بعد عودته من معركة القلعة. الهاتف المشفر الموضوع على الطاولة يضيء فجأة، بدون نغمة رنين، فقط اهتزاز صامت.)

مد نوح يده ببطء والتقط الهاتف. لم ينظر للرقم، فقد كان يعلم أن هذا الخط لا يعرفه إلا قلة نادرة جداً.

نوح (بصوت هادئ، أجش، يحمل نبرة تعب ممزوجة بحذر):"مين؟"

الشخص الغامض (صوت رجل في منتصف العمر، رخيم، واثق جداً، وكأنه يتحدث من برج عاجي يراقب العالم بأسره):"مساء الخير يا نوح. كنت مستني اللحظة اللي تخلص فيها لعب مع البارون عشان نتكلم في الشغل الجد."

نوح (تضيق عيناه، يدرك أن المتحدث ليس عدواً، بل ندّ):"أنت مين؟ وعرفت الرقم ده إزاي؟"

الشخص الغامض (بضحكة خفيفة قصيرة):"أنا صديق قديم.. أو تقدر تقول (مراقب) بيحب يتفرج على اللعبة الحلوة. الرقم ده مش سر بالنسبة لحد شايف الخريطة كاملة. بس مش ده المهم دلوقتي. المهم هو اللي بيحصل في (برج الألفي) في اللحظة دي."

نوح (يعتدل في جلسته، والظلال حوله تبدأ في التململ):"الشركة؟ إيه اللي بيحصل؟"

الشخص الغامض (نبرته تتحول للجدية المطلقة):"أخوالك.. (بدر وعاصم المنشاوي). استغلوا غيابك وفوضى موت البارون، واقتحموا البرج من نص ساعة. معاهم فريق محامين دولي، وكتيبة حراسة خاصة من شركة (بلاك ووتر) السابقة. بيجهزوا عقود نقل ملكية إجبارية للإرث كله باسمهم، بحجة إنك (غير مؤهل عقلياً) لإدارة إمبراطورية أمك."

نوح (يضغط على الهاتف حتى يكاد يتحطم، وعيناه تلمعان باللون الرمادي):"المنشاوي.. كانوا عايشين في خيري سنين، ودلوقتي جايين ينهشوا في اللحم؟"

الشخص الغامض:"الطمع بيعمي يا نوح. هما فاكرين إنك دكتور ضعيف، أو مجرد وريث محظوظ. ميعرفوش إنهم بيلعبوا مع (الديجور). هما دلوقتي في قاعة الاجتماعات الرئيسية، ومعاهم رئيس الجهاز الأمني الجديد، راجل اسمه (آرثر)، وده مش سهل.. ده كان بيحرس رؤساء دول."

نوح (يقف، ويمتد ظله ليغطي الغرفة):"آرثر ولا غيره.. الليلة دي هعلمهم درس في الأصول. شكراً على التنبيه."

الشخص الغامض:"مفيش شكر بين الكبار. أنا بس بحب التوازن. روح رجع ملكك يا نوح.. وأنا هكون بتفرج."

انقطع الاتصال. رمى نوح الهاتف على الأريكة، واتجه نحو خزانة ملابسه. أخرج بدلة سوداء رسمية، لكنها لم تكن قماشاً عادياً، كانت تبدو وكأنها منسوجة من الليل نفسه.

نوح (يهمس لنفسه أمام المرآة):"الليلة.. مش الطبيب اللي رايح الشركة. الليلة.. صاحب البيت رجع."

(المكان: أمام ناطحة سحاب "ألفي جروب" في منطقة المال والأعمال. الوقت: الساعة الثانية صباحاً. المشهد: هدوء ما قبل العاصفة. المبنى محاط بأسطول من السيارات المصفحة السوداء. رجال أمن ضخام البنية يرتدون بدلات سوداء وسماعات أذن، يقفون كالتماثيل الصخرية أمام المدخل، عيونهم تمسح الشارع ببرود.)

توقفت سيارة نوح الرياضية أمام المدخل مباشرة. لم يطفئ المحرك. نزل من السيارة بهدوء، يغلق زر سترته ببطء.تحرك نحوه ثلاثة من الحراس العمالقة، يرفعون أيديهم لإيقافه.

قائد الحرس الخارجي (بلهجة أجنبية مكسرة، يضع يده على سلاحه المخفي):"ممنوع الدخول. المبنى مغلق بأمر مجلس الإدارة الجديد. ارجع لعربيتك فوراً."

نوح (يقف أمامهم، لا ينظر لأسلحتهم، بل ينظر لظلالهم الممتدة على الأرض):"مجلس الإدارة الجديد؟ تقصد الحرامية اللي فوق؟"

القائد (يتقدم بتهديد):"أنا مش هعيد كلامي. دي منطقة خاصة، ومعايا تصريح بإطلاق النار على المتطفلين. اتحرك!"

نوح (يبتسم ابتسامة باهتة وباردة):"أنت عارف مشكلتكم إيه؟ إنكم بتثقوا في السلاح أكتر من اللازم. (يخفض صوته ليصبح همساً مرعباً) السلاح ممكن يعطل.. الرصاص ممكن يخلص.. بس الضلمة.. الضلمة مابتخلصش أبداً."

وفجأة، ودون أن يرفع نوح يده، حدث شيء أرعب الحراس.ظلالهم.. التي كانت ملقاة خلفهم بفعل أضواء الكشافات.. تحركت.لم تتحرك مع حركتهم. بل تحركت "ضدهم".امتدت الظلال من الأرض، وتسلقت أرجلهم كالثعابين السوداء، لتلتف حول أعناقهم وأيديهم.

الحارس الثاني (يصرخ برعب وهو يحاول فك شيء غير مادي من حول عنقه):"إيه ده؟! فيه حاجة مسكاني! مش قادر أتحرك!"

القائد (يحاول سحب سلاحه، لكن يده تجمدت بفعل (شلل الظل)):"أنت.. أنت بتعمل إيه؟!"

نوح (يمشي بينهم بهدوء، والظلال تفسح له الطريق بينما تخنق الحراس):"أنا مبعملش حاجة. ده مجرد (خوفكم) اتجسد. ناموا شوية.. لما أصحى هبقى أحاسبكم."

سقط الحراس الثلاثة على الأرض مغشياً عليهم، ليس من نقص الأكسجين، بل من صدمة حسية مباشرة للجهاز العصبي.دخل نوح من البوابة الدوارة، تاركاً خلفه الحراس يصارعون كوابيسهم.
(المكان: الطابق الخمسون. ممر طويل يؤدي لقاعة الاجتماعات الكبرى. الأرضية مغطاة بالسجاد الأحمر الفاخر. في نهاية الممر، يقف "آرثر"، رئيس الحرس الجديد. رجل ضخم كالجبل، يرتدي بدلة رمادية، ولا يبدو عليه أي تأثر بما حدث في الأسفل.)

مشى نوح في الممر، وخطواته لا تصدر صوتاً.آرثر لم يتحرك. كان يراقب نوح بعيون خبيرة، عيون قاتل محترف.

آرثر (بصوت جهوري هادئ):"أنت نوح الألفي. سمعت عنك. بيقولوا إنك ساحر."

نوح (يتوقف على بعد أمتار منه):"وأنت آرثر. بيقولوا إنك مابتضيعش طلقة. بس الليلة دي.. أنت واقف في المكان الغلط."

آرثر (يخرج خنجرين قتاليين من ملابسه بسرعة مذهلة):"أنا مابختارش المكان.. أنا بختار العقد. خالك دفع كتير عشان الراس دي متدخلش القاعة."

نوح (ينظر للخنجرين بملل):"خالي دفعلك ورق.. بس أنا ممكن أدفعلك حياتك. (تتحول عينا نوح للون الرمادي الكامل) آرثر.. بص حواليك."

نظر آرثر بطرف عينه.الممر.. اختفى. الجدران اختفت.وجد نفسه فجأة واقفاً في فراغ أسود لا نهائي. لا أرض تحته، لا سقف فوقه.شعر بالدوار.ثم رأى عيوناً.. آلاف العيون تفتح في الظلام وتحدق فيه.

صوت نوح (يأتي من كل مكان في الفراغ):"أنت قوي يا آرثر.. بس قوتك مادية. هنا.. في عالمي.. عضلاتك ملهاش وزن. أنت ولا حاجة."

سقطت الخناجر من يد آرثر. جثا العملاق على ركبتيه، يلهث، العرق يغطي وجهه، وعيناه زائغتان من الرعب النفسي."وقف ده! وقف الصوت!" صرخ آرثر وهو يغطي أذنيه.

عاد الممر فجأة لطبيعته.كان نوح واقفاً أمامه، يعدل ياقة قميصه.نوح:"افتح الباب يا آرثر. وبلغ باقي رجالتك إن (الديجور) وصل.. وإن الولاء اتنقل."

نهض آرثر بصعوبة، يرتجف، ونظر لنوح ليس كعدو، بل كـ "سيد". انحنى ببطء، وفتح باب قاعة الاجتماعات على مصراعيه.
(المكان: داخل قاعة الاجتماعات. بدر وعاصم المنشاوي يجلسان على رأس الطاولة، يضحكان ويشربان الويسكي، وأمامهم أوراق التنازل جاهزة.)

بدر (يرفع الكأس):"في صحة الغبي نوح.. وفي صحة الفلوس اللي هترجع لأصحابها."

عاصم (يضحك):"كان زمانه بيعيط في بيتهم دلوقتي. آرثر زمانه رماه من السطوح."

(بووووم).انفتح الباب بقوة جعلت الزجاج يهتز.دخل نوح.مشى بخطوات واثقة حتى وصل لرأس الطاولة. سحب الكرسي الرئيسي، وجلس عليه، ووضع قدميه فوق أوراق التنازل.ساد صمت القبور في الغرفة.

بدر (يتلعثم، الكأس يسقط من يده):"نوح؟.. إزاي.. فين الحرس؟ فين آرثر؟"

نوح (يبتسم ابتسامة شيطانية، ويشير بيده للخلف):"آرثر بره.. بيصلي استخارة. أما أنتم.. (تتغير نبرته لصوت مرعب) فأنتم هتكتبوا تنازل تاني خالص الليلة دي."

نظر نوح لعاصم وبدر، ورأوا في عينيه شيئاً جعلهم يدركون أن "ابن أختهم" الطيب قد مات، وأن الذي يجلس أمامهم هو شيء.. لا يمكن التفاوض معه.
(المكان: ردهة جانبية معزولة خارج قاعة الاجتماعات في برج الألفي. الإضاءة خافتة جداً. "آرثر"، العملاق الذي لا يهتز، يقف ويده ترتعش وهو يضغط على سماعة أذنه المشفرة. يمسح العرق البارد عن جبينه، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الباب المغلق حيث يجلس نوح.)

آرثر (يهمس بصوت أجش ومضطرب):"كود أحمر.. أكرر كود أحمر. الهدف سيطر على الموقع. لقد.. لقد نطق بالكلمات المحرمة. قال 'المستوى السابع'."

الصوت عبر السماعة (صوت "فيكتوريا"، مديرة عمليات شركة 'بلاك ووتر' الجديدة، صوتها عادة ما يكون فولاذياً، لكنه الآن يحمل نبرة قلق):"آرثر؟ تمالك نفسك. من الذي نطق الكلمات؟ هل هو عميل مخابرات؟"

آرثر (يبتلع ريقه بصعوبة):"لا يا سيدتي. إنه العميل.. إنه 'نوح الألفي'. لقد ركعنا أمامه. جسدي لم يستجب لأوامري.. جسدي استجاب لصوته. هو قال إن 'الديجور' قد عاد."

(ساد صمت طويل ومطبق على الطرف الآخر من الخط، صمت استمر لدرجة أن آرثر ظن أن الاتصال انقطع).

آرثر:"فيكتوريا؟ هل تسمعينني؟ هل ننسحب؟ هل نطلب الدعم الجوي؟"

فيكتوريا (بصوت منخفض جداً، مليء بالرهبة، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد):"آرثر.. اسمعني جيداً. لا تطلب دعماً. لا ترفع سلاحاً. ولا تتنفس إلا بإذن منه."

آرثر (بذهول):"لماذا؟ نحن أقوى شركة أمنية في العالم! من يكون هذا الرجل؟"

فيكتوريا (بحدة وخوف):"أنت لا تفهم يا غبي. في عالمنا، هناك مستويات. نحن نحمي الملوك، والرؤساء، وأباطرة المال. لكن 'الديجور'.. هو الذي يحمينا نحن. هو الكابوس الذي نبقي الرؤساء في مأمن منه. هو ليس عميلاً.. هو (المرجع). كل تقنية قتالية تدربت عليها، كل بروتوكول حماية.. هو من كتبه. هو (سيد الظل) الذي أقسم مؤسسو شركتنا بالولاء له قبل أن تولد أنت."

آرثر (ينظر ليديه برعب):"أنا.. أنا رفعت السكين في وجهه."

فيكتوريا (بصوت يائس):"إذن صلِّ لكي يغفر لك. آرثر.. الولاء انتقل فوراً. نفذ أي أمر يصدره، حتى لو أمرك بقتل نفسك. لأنك لو عصيته.. الموت سيكون أرحم شيء سيحدث لك. الديجور لا يترك خائناً يتنفس."

(انقطع الاتصال. وقف آرثر متجمداً، يدرك الآن أنه لم يكن يحرس مبنى، بل كان يقف في حضرة "إله" عالمه الخاص. عدل سترته، ومسح العرق، ودخل القاعة مرة أخرى، ليس كقائد، بل كخادم مطيع.)
(المكان: داخل قاعة الاجتماعات الفاخرة. نوح يجلس على رأس الطاولة باريحية تامة، واضعاً قدميه فوق أوراق التنازل. "بدر" و"عاصم" المنشاوي يرتجفان في مقاعدهما، وجوههم شاحبة كالأموات. آرثر يدخل ويقف خلف نوح بصمت، مطأطأ الرأس.)

نوح (دون أن يلتفت لآرثر):"فهمت الدرس يا آرثر؟"

آرثر (بصوت خاضع):"الرسالة وصلت يا سيدي. السيف والدرع تحت أمرك."

نوح (يبتسم ابتسامة شيطانية، وينظر لأخواله):"سمعتوا؟ حتى كلاب الحراسة بتوعكم عرفوا سيدهم. دلوقتى.. خلونا نتكلم في (الإرث). أنتم كنتم عايزين الشركة.. بس الشركة دي قشرة. أنتم كنتم بتدوروا على حاجة تانية.. حاجة أمي خبتها."

بدر المنشاوي (يحاول استجماع شتات شجاعته الزائفة):"نوح.. يا ابني.. إحنا كنا خايفين عليك. الأموال كانت بتضيع.. إحنا كنا بنحاول نحمي.."

نوح (يقاطعه بضربة خفيفة بيده على الطاولة، لكن الضربة جعلت الخشب الصلب يتشقق ويتحول لرماد رمادي في موضع اللمس):"وفر الكدب للمحكمة يا خالي. أنا مش بس (الديجور).. أنا (كيميائي). أنا شامم ريحة الخوف في عرقك، وشامم ريحة الطمع في دمك. أنتم كنتم عايزين توصلوا لـ (الخزنة السوداء). الخزنة اللي أمي كانت بتشيل فيها (العينات)."

عاصم المنشاوي (ينهار ويسقط من على كرسيه):"إحنا مكناش نعرف إنها خطيرة! منظمة (أرغوس) هددونا! قالوا لو مسلمناش العينة، هيقتلونا ويقتلوك!"

نوح (يضييق عينيه، والضوء الرمادي يلمع فيهما):"أرغوس.. الاسم ده بيطلع تاني. يبقى البارون مكنش شغال لوحده. قولولي.. الخزنة فين؟"

بدر (بسرعة، خوفاً من مصير الطاولة):"في المستشفى القديم.. (مستشفى الشفاء) اللي أمك كانت بتديره في المعادي قبل ما تموت. قالت إن السر هناك. بس مقدرناش نفتحها. الخزنة عليها بصمة حيوية معقدة.. ومفخخة."

نوح (يقف، ويمتد ظله ليغطي الأخوال):"طبعاً مفخخة.. ليلى المنشاوي مكنتش بتسيب حاجة للصدفة. (يلتفت لآرثر) آرثر.. خد الزبالة دي على المخزن. ميموتوش.. بس خليهم يتمنوا الموت. عايز أعرف كل اسم، كل رقم تليفون، كل وسيط اتعاملوا معاه من (أرغوس)."

آرثر (يومئ برأسه):"أمرك."
(المكان: مستشفى "الشفاء" المهجور في المعادي. الوقت: قبل الفجر بساعة. المبنى قديم، نوافذه مكسرة، والحديقة مليئة بالأعشاب الضارة. نوح يقف أمام البوابة الرئيسية، ومعه "ليلى" (ابنة عمه) التي أصرت على المجيء.)

ليلى (تضيء كشافاً يدوياً، وتنظر للمبنى بقشعريرة):"عمتي كانت بتدير المكان ده؟ ده شكله بيت أشباح."

نوح (يشم الهواء، ويحلل التركيب الكيميائي للمكان):"ده مش بيت أشباح.. ده كان (حصن). أمي مكنتش مجرد سيدة أعمال.. كانت عالمة. وكانت بتحمي حاجة العالم كله بيدور عليها. خليكي ورايا.. المكان هنا مليان فخاخ كيميائية."

دلفوا إلى الداخل. الممرات كانت طويلة ومظلمة. نوح كان يرى "بقايا" الطاقة في المكان. رأى آثار أقدام قديمة، ورائحة مواد حافظة قوية.وصلوا إلى مكتب الإدارة في الطابق الأخير.أزاح نوح لوحة قديمة على الحائط، كاشفاً عن باب فولاذي صغير لا يوجد عليه أرقام ولا مفاتيح. فقط "إبرة" دقيقة بارزة.

نوح:"بصمة ددمم.. كلاسيكي."

وضع نوح إصبعه على الإبرة. وخزته.امتصت الإبرة قطرة من دمه (الرمادي المعدل).للحظة، أضاء الباب باللون الأحمر (إنذار).ليلى (بفزع):"نوح! الدم بتاعك اتغير! الجهاز مش هيتعرف عليك! هينفجر!"

نوح (بهدوء):"دمي اتغير.. بس (الكود) الأساسي لسه موجود. أنا هجبر الجهاز يقبله."

ركز نوح طاقته. استخدم قدرته كـ "كيميائي" ليعيد ترتيب جزيئات دمه في تلك اللحظة، ليحاكي دمه البشري القديم.تحول الضوء للأخضر.(كليك.. طق.. طق..).انفتح الباب الثقيل.
(المكان: داخل الخزنة. مساحة صغيرة ومبردة. رفوف مليئة بملفات ورقية. وفي المنتصف، صندوق زجاجي يحتوي على (قارورة) واحدة بها سائل فضي لزج.)

تناول نوح القارورة بحذر. كانت تشع بضوء خافت.بجانب القارورة، كانت هناك رسالة مكتوبة بخط يد والدته.

نوح (يقرأ الرسالة بصوت خافت، وصوته يهتز لأول مرة):"نوح.. يا بني. لو بتقرأ ده، يبقى أنا مت، وأنت بقيت جاهز. السائل ده هو (المصل الأصلي). ده مش دواء.. ده (جينات). جينات (الحراس القدامى). عيلتنا وعيلة والدك.. إحنا بقايا سلالة كانت بتحمي الأرض. منظمة أرغوس عايزة المصل ده عشان يصنعوا جيش من (الخالدين). احرقه.. أو اشربه. بس إياك تديهولهم."

ليلى (تنظر للقارورة بذهول):"يعني إيه؟ يعني قوتك دي مش بس من المغارة؟ دي في دمك أصلاً؟"

نوح:"المغارة كانت المحفز.. بس الاستعداد كان موجود. أمي كانت عارفة.. وكانت بتجهزني من بعيد."

فجأة، رن هاتف نوح. الشخص الغامض مرة أخرى.الشخص الغامض:"لقيت الميراث يا نوح؟ ممتاز. بس للأسف.. أنت مش لوحدك."

نوح (يلتفت بسرعة):"قصدك إيه؟"

الشخص الغامض:"أرغوس كانوا مراقبين أخوالك. ولما أخوالك اعترفوا تحت الضغط.. أرغوس بعتوا فرقة تنظيف. هما دلوقتي في الدور الأرضي. ومعاهم (صياد)."

نوح (يسمع صوت تحطم الزجاج في الأسفل):"صياد؟"

الشخص الغامض:"مش أي صياد. ده (قناص) بيستخدم رصاص مصنوع من (حجر المغارة). اسمه (الغُول). خلي بالك يا نوح.. ده بيشوف في الضلمة زيك."

أغلق نوح الخط. وضع القارورة في جيبه الداخلي.نظر لليلى، وعيناه تحولتا للأسود الكامل (الديجور).

نوح:"ليلى.. استخبي في الخزنة واقفليها عليكي. الليلة دي.. المستشفى هيرجع يشتغل.. بس هيستقبل جثث بس."

(المكان: بهو مستشفى "الشفاء" المهجور. الظلام دامس، والغبار يغطي الأرضية الرخامية المكسرة. صوت الزجاج المحطم تحت الأقدام يتردد صداه بوضوح مرعب. من البوابة الرئيسية، يدخل شخص واحد. ليس فريق اقتحام، بل رجل واحد.)

كان "الغول" رجلاً ضخم الجثة، يرتدي معطفاً طويلاً من الجلد المدبوغ القديم، وقبعة تخفي عينيه. لم يكن يحمل بنادق هجومية حديثة، بل كان يحمل بندقية قنص طويلة جداً وغريبة التصميم، ماسورتها محفورة برموز قبطية وسريانية قديمة، وذخائرها معلقة على صدره، تلمع بضوء أبيض شاحب، وكأنها مصنوعة من عظام الموتى.

الغول (يتوقف في منتصف البهو، ويستنشق الهواء بعمق، صوته يخرج كخوار حيوان بري):"ريحة ددمم.. وريحة ضلمة. الديجور هنا. (يضحك بصوت منخفض) أرغوس كانوا كريمين المرة دي.. بعتولي صيد يستاهل."

في الطابق العلوي، كان نوح يراقب من خلال فجوة في السقف المستعار. عيناه الرماديتان تحللان "النمط الحراري" للغول.نوح (يهمس لنفسه):"درجة حرارة جسمه منخفضة جداً.. نبضات قلبه 30 في الدقيقة.. ده مش بشر طبيعي. ده (معدل) زي الجنرال، بس ده معمول للصيد."

تحرك الغول فجأة بسرعة لا تتناسب مع حجمه. رفع بندقيته وصوب نحو السقف مباشرة، نحو مكان نوح المخفي، دون أن يرى شيئاً.

الغول (بثقة مطلقة):"انزل يا نوح.. الظل بتاعك فضحك. أنت بتنقط سواد على الأرض."

(بوم).أطلق الغول رصاصة واحدة. اخترقت الخرسانة والحديد وكأنها ورقة.قفز نوح في اللحظة الأخيرة، لكن الرصاصة خدشت ذراعه.لم يكن ألماً عادياً. صرخ نوح صرخة مكتومة. الجرح لم يلتئم فوراً كالعادة. بدأ "يحترق" بضوء أبيض، والظل حول الجرح بدأ يهرب وكأنه يخاف من الرصاصة.

نوح (يسقط على الأرض في الممر العلوي، يمسك ذراعه):"رصاص من حجر المغارة.. بس معكوس.. مشبع بالنور. ده سم للظل."

(المكان: ممرات المستشفى المتشابكة. نوح يتحرك بصعوبة، يحاول التخفي في الظلال، لكنه يكتشف أن الغول يراه بوضوح تام حتى في العتمة.)

الغول (يصعد الدرج ببطء، ويصفر لحن جنائزي):"أنت فاكر إن الظل بيحميك؟ أنا عنيا مزروعة بشبكية من (الكوارتز). أنا بشوف الطيف، مش اللحم. أنت بالنسبة لي منارة بتنور في الضلمة."

نوح (يضغط على الجرح ليوقف النزيف الضوئي، وعقله يعمل بسرعة):"لو هو بيشوف الظل.. يبقى لازم أعميه بالنور. ولو رصاصه بيحرق الظل.. يبقى لازم أحاربه بالمادة."

دخل نوح إلى "غرفة التعقيم" القديمة. كانت مليئة بأسطوانات غاز وأدوات جراحية صدئة.وضع يده على أسطوانة أكسجين كبيرة. ركز طاقته.نوح (بصوت الكيميائي):"تفكيك الروابط.. تحرير الضغط."

في الممر، وصل الغول أمام الغرفة.الغول:"أنا سامع دقات قلبك.. أنت ورا الباب ده."رفع بندقيته ليطلق رصاصة خارقة للجدار.

في تلك اللحظة، ركل نوح الباب، ودحرج أسطوانة الأكسجين نحو الغول، وفي يده ولاعة مشتعلة.نوح:"كل نار!"

رمى الولاعة.(بوووووووم).انفجار هائل هز الطابق. النار التهمت الممر.تراجع الغول للخلف، معطفه يشتعل. لكنه لم يمت. الدروع تحت معطفه حمت أعضاءه الحيوية.

لكن الانفجار حقق هدفه. النار الساطعة "أعمت" رؤية الغول الطيفية للحظات. اختفى ظل نوح وسط اللهب الحقيقي.
(المكان: وسط الدخان والنيران. الغول ينهض، يمزق معطفه المحترق، ويبحث عن نوح بغضب.)

الغول (يصرخ):"حركة رخيصة! هجيبك وهعلق راسك!"

فجأة، ومن سحابة الدخان الكثيفة، لم يخرج نوح بجسده.خرجت "أذرع" من الظل الصلب.أذرع طويلة، سوداء، تنتهي بمخالب حادة.أمسكت الأذرع بالغول من يديه وقدميه ورفعته في الهواء، مصلوباً.ظهر نوح من الدخان، وجهه نصفه بشري ونصفه ظل، وعيناه تلمعان بغضب بارد.

نوح (بصوت مزدوج مرعب):"أنت بتصطاد الظلال؟.. الظلال مسكتك."

الغول (يحاول التملص، عضلاته الضخمة تتوتر):"سيبني! دروعي ضد الظلام!"

نوح (يقترب منه، ويضع يده العارية على صدر الغول المدرع):"دروعك بتحميك من الضرب.. بس مش هتحميك من (الكيمياء). أنا مش هضربك.. أنا (هحللك)."

بدأت يد نوح تتوهج باللون الرمادي.رأى الغول درعه التيتانيوم يبدأ في "الصدأ" بسرعة جنونية. المعدن يتآكل، يذوب، يتحول لتراب في ثوانٍ.وصلت يد نوح لجلد الغول.صرخ الغول صرخة رعب حقيقي لأول مرة.

نوح:"قولي.. مين رئيس (أرغوس)؟ المقر فين؟"

الغول (يصرخ والألم يعتصر قلبه):"معرفش! محدش يعرف! إحنا بناخد الأوامر من (الوسيط)!.. أرجوك! الدم بيغلي!"

نوح:"اسم الوسيط!"

الغول:"اسمه (عزت).. رجل الأعمال.. اللي قابلته في الفندق! هو حلقة الوصل!"

نوح (تتسع عيناه بذكرى المشهد الأول في الرواية):"عزت؟ التاجر الجبان؟.. دايماً الحية بتلبس توب أرنب."

سحب نوح يده.سقط الغول على الأرض، درعه مدمر، وجلده محروق كيميائياً، يلهث ولا يستطيع الحركة.

نوح:"مش هقتلك. هسيبك عايش.. عشان ترجع لأسيادك وتقولهم: (الديجور) جاي. وقولهم يجهزوا توابيتهم."

(المكان: خارج المستشفى. الفجر بدأ يلوح. نوح يخرج حاملاً القارورة في جيبه، ويفتح باب السيارة لليلى التي خرجت من الخزنة وهي ترتجف.)

ليلى (تنظر لآثار الحريق في الطابق العلوي):"مات؟"

نوح (يركب السيارة ويشغل المحرك):"لأ. الموت راحة مش هديها لكل أعدائي. خدت منه اللي أنا عايزه."

انطلقت السيارة.نظر نوح للقارورة التي تحتوي على ددمم "الحراس القدامى".نوح:"أمي سابتلي جيش في القزازة دي يا ليلى. بس أنا مش هستخدمه عشان أعمل جنود.. أنا هستخدمه عشان أطور نفسي. المعركة الجاية مش هتكون في مخزن ولا مستشفى."

ليلى (تنظر إليه بإعجاب وخوف):"هتكون فين؟"

نوح (وعيناه تنظران لبعيد، نحو أبراج القاهرة المالية):"هتكون في عش الأفاعي. (عزت) فاكر إنه في أمان في برجه العاجي.. بس هو ميعرفش إن الديجور بيعرف يتسلق."

أخرج هاتفه، واتصل بـ "كايوس" (الشخص الغامض).

نوح:"كايوس.. جهزلي رحلة. وعايز ملف كامل عن (عزت). وعن منظمة (أرغوس)."

كايوس (يضحك على الطرف الآخر):"كنت عارف إنك هتنجح. أهلاً بيك في الدوري الممتاز يا نوح. العالم كله ملعبك دلوقتي."

أغلق نوح الخط.وضع يده على يد ليلى.نوح:"النهاردة دفنا الماضي.. وبكرة.. هنحرق المستقبل."

انتهى الجزء الخامس، ونوح يبتعد عن المستشفى المحترق، وقد أصبح الآن ليس مجرد منتقم، بل "لاعب دولي" يمتلك القوة، المال، والسر الأخطر في العالم.
🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟🌟
 

المستخدمون الذين يشاهدون هذا الموضوع

من قرأ هذا الموضوع خلال 30 يوم ؟ (Total readers: 8)
أعلى أسفل